. . . الأربعاء .. 21 ربيع الثاني 1438 - 18 يناير 2017

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

أضواء أضواء
 الصفحة الرئيسة > أضواء > تصنيفات أضواء > شخصيات
 
تاريخ إضافة المقال : 2010/11/01
عدد زوار المقال : 5622
إرسل المقال لصديق :
نسخة لطباعة المقال :
 

المؤرخ الشيخ العلامة عاتق البلادي ... سيرة وسطور!

بسم الله الرحمن الرحيم 

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين  سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. 

 

عمر مضى.. وحياة مليئة  بالمثابرة والجد وطموح عالي  أثمر علما ،  دون كتبا ومجلدات  لحفظ تاريخ أمة وإبقاء ذكرها خالدة لتتوارثه الأجيال وليكون  نبراساً لها يقتدى به ، أيضاً أمضى جزءاً كبيراً من حياته في حماية الوطن ثم اتجه  لطلب العلم  لينهل من معينه الواسع ، شخصيتنا رفيعة المكانة  بين أقرانها  بل بين القبيلة كلها  . 

خصت تلك الشخصية ملتقى النخب بسيرتها وبأبرز الأحداث في حياتها .. 

 

فهاكم  سيرته


اسمي : عاتق بن غيث بن زويّر بن زاير بن حمود العرادي البلادي.
ولدت في محافظة خليص , شمال مكة المكرمة , في اليوم الثالث من عيد الفطر المبارك سنة 1352 هـ 
لعله يوافق سنة 1932 م.
وكانت ساعة ولادتي بين صلاتي العصر والمغرب .
كان والدي كبير القوم , وكان له مجلس كل ليلة يجتمع فيه قومه , كان يشبه ندوة أدبية .
وكان قد حارب في الثورة العربية ضد الترك , وكان يتنقل وقومه فيما بين محافظة خليص
وحدود الحرم المكي الشمالية , وإلى وادي الفرع شمالاً.
نشأت في البادية في طفولة تختلف – آنذاك- كثيراً عن طفولة الحاضرة .
رعيت البهم والغنم والإبل , وركبت البعير والحمار ! ورقيت النخلة, مشيت على قدمي ( وأنا في الخامسة ) نحو أربعمائة كيل , قارعت الذئاب ,ومشيت بمفردي نحو (120) كيلاً ليلاً ونهاراً.
 

وفي الثانية عشر من عمري توفي والدي , فنزلت مكة المكرمة مع أخي الأكبر مني , وكان ذلك سنة 1364هـ .

كانت في رحلتنا إلى سيدة المدائن مواقف طريفة ! وإن كانت لا ترقى إلى المستوى الأدبي إلا أنها في ذلك الزمن لغلامين يتيمين تلفت النظر ! . 
ففي اليوم الثالث وصلنا إلى محطة الجموم من وادي فاطمة (صارت اليوم مدينة ) فرأينا تجمعات كثيفة , ولكن ما كان في شئ يعيقنا عن هدفنا .قبل دخولنا في تلك المعمعة اعترضنا رجل من عينة تعرفها الناس اليوم , قال : (تبون تكتبون ؟) قال أخي : ويش نكتب ؟! , قال : الحكومة أخرجت صدقة للناس , خبز.
الحقيقة كانت الناس في مجاعة قاسية .
قال أخي : ( طيب ) . فكتب لنا اسمينا في ورقة وذهب بنا , وقال : خلوكم بعيد هذا الشاووش يضرب ! فتقدم
إلى ذلك الشاووش بالورقة في يده , ورفع يديه فوق رأسه ثم وضعهما على صدره في تذلل ظاهر , فظهرت 
من الشاووش المسالمة فمد يده وأخذ الورقة , وناولها شخصاً آخر جاء لنا بأربعة أرغفة .
فخرجنا , قال الرجل : ( تبون منزل ؟ ) قال أخي : ( لا حنا رايحين لمكة ) قال : أجل أشتري منكم هذه الورقة ؟ 
قال أخي : ( بكم ) قال : ( بأربعة ريال ! ) قال أخي : ( طيب )
فأخرج الرجل من حسكله كيساً فيه ريالات فضية ( لم يكن النقد الورقي معروفاً ) فعد لأخي أربعة ريالات . 

 

ثم أخرج مرسمة خشبية وبلها بريقه , وغطها في قالب من النيلة , و وضع صفراً قدام رقم (2) ! فصار (20) ! قلت لأخي : ( أنظر كيف سوى الثنين عشرين)! 
قال : ( مالنا شغل ) , قال المحتال: ( هذا فعل الشطار)! 

غابت الشمس مع وصولنا إلى أم المؤمنين رضي الله عنها ,  وما أدراك ما أم المؤمنين ؟!
 

إنه ضريح السيدة ميمونة بنت الحارث , إحدى زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كان هناك تجمع ولكن ليس كالذي قبله , فهنا تجمع تجاري , فهذا مقهى , وهذه بسطة , وآخر
يدف عربية فيها بضاعة .....
لا أذكر ما عملنا ؟! إلاّ أنّا - من شدة تعبنا - انحزنا إلى سند الجبل , وبحثنا لنا مكاناً لننام فيه , واستغرقنا فيه .... 

استغرقنا في نومنا , وما راعني إلاّ صوت أخي عطية الله , فنهضت واقفاً ’ فإذا بشخص مقف ,
فأوطأت إلى حجر فقذفته به , فسمعته يقول : ( آه) ! فسألت أخي , فقال : الحرامي 
يبي ياخذ الحسكل !.
كان الناس آنذاك كل يحتزم بحزام في وسطه , وكل إنسان يحمل سكيناً في ذلك الحزام , 
فكان بإمكان هذا الحرامي أن يستل أية سكين ويقطع بها عصم الحسكل , فلا يشعر به أحد . 
ولكن يبدو أنه أراد الحسكل سالماً.
وفي الصباح رأينا نقط دم على أثر ذلك الحرامي , يظهر من ذلك أن الحجر أصاب رأسه!.
حثثنا خطانا نحو مكة المكرمة , وضحاء كنا على مشارفها , وقد قابلتنا غابة من العشش
والصنادق , في تكون عشوائي أحدثه المتوطنون بسبب تلك المجاعة التي عمّت العالم آنذاك .
وكما رأينا ذلك الرجل في الجموم رأينا رجلاً استقبلنا باشاً فقال : من أين يا عيال ؟! قلنا من ديرتنا ! 
نظن أن ديرتنا معروفة للجميع .
 

كان هذ ا المكان بسفح ريع الكحل من الغرب , وبالضبط قام مكانه الآن جسر الزاهر.
قال الرجل : ( تبون منزل ) ؟ قال أخي : نعم , قال : هذي العشة ! قال أخي : بكم؟ قال الرجل : بريالين الشهر , 
قال أخي : طيب .
دخلنا تلك العشة التي كانت الشمس تطل علينا من خللها , ونمنا ما لم ننم من قبل . 

لم يكن لتلك العشة باب , ولا حوش , فاستيقظنا على صوت صاحبنا يقول : صليتوا ياعيال ؟ فقفز أخي - وكان رحمه الله متديناً- وهو يقول :على النبي ... على النبي .
فسألنا الرجل , قال : الناس صلوا العصر . فرأيت الندم ظاهراً على وجه أخي ،فصلينا , وخرجنا فوجدنا الرجل واقفاً أما العشة .
قال : تبنون عشاش ؟ قال أخي : ( إيوه ) ! قال : تبنون مثل هذا بريالين .
قال أخي : طيب . 

 

أخذ أخي يقيس الأرض بخطواته , ووضع حدوداً لموضع البناء للبدء في العمل .
قال ذلك الرجل : أنتم ممن ؟! 
نحن بلادية ! , قال : من بلادية الشام أو اليمن ؟ من بلادية اليمن !( العرب من قديمها تسمي الشمال شاماً والجنوب يمناً ) .
قال الرجل : لكم رفيق هنا , اسمه زيد بن زيدان البلادي ، فإذا هو ابن خالتنا , ذهبنا لزيارته , فقال : لكم رفيق هنا من بلادية الشام نذهب غداً مساءاً لزيارته , وهكذا كان , وبعد صلاة العصر كنا نقرع باب الوهيبي !
 

وما إن دخلنا حتى أسرع إلى كتاب ( الترغيب والترهيب ) يقرأ لنا منه ، فسألته : كيف قرأت ؟!
قال : تعلمت في المدرسة . وأين هذه المدرسة ؟! قال : الليلة تشوفونها ! وكان ذلك ! .

 
صلينا المغرب في مسجد الوزير في جرول . ثم عمد بنا محمد الوهيبي إلى الشيخ 
صالح الميرابي إمام المسجد ومدير المدرسة الليلية الخيرية الأولى في جرول , من مكة المكرمة .
فعرض عليه إدخالنا المدرسة , فإذا الشيخ يندهش من طلبه , فيقول : ياوهيبي لم يبق على 
نهاية السنة سوى شهر ! 

كانت الدراسة في مكة تعطل في رمضان وشوال والقعدة والحجة , بصرف النظر عن تقلب الفصول , ولعل ذلك؛ لأن أهل الحجاز عامة - آنذاك – حياتهم المعيشية على ما يتعلق بالحج , حاضرتهم وباديتهم .
قال الوهيبي : ( ياشيخ حنا ما نبيهم ينجحون , حنا نبيهم يستفيدون )
كنا في الفاتح من شعبان أو نحوه . فأومأ الشيخ إلى الأستاذ الشريف حمزة البركاتي .
فأخذنا إلى حصوة فيها تلاميذ السنة الأولى . وكان من حسن حظنا أن الطلبة قد أنهوا 
المقرر , وبدؤوا في المراجعة , كنا نحفظ كل ما نسمع , وخاصة القرآن , الذي كان يبدأ 
من سورة الناس - بعد الفاتحة – ثم يمضي صعداً .
وانتهى شهر شعبان من عام 1365 هـ , لعله يوافق 1945 م , وبدأ الامتحان الذي يكرم المرء فيه أو يهان ! 
وجاء الشيخ صالح الميرابي ليختبر السنة الأولى بنفسه , وطلب من كل طالب أن يكتب على السبورة ! 
فقال لي : قم , أنت بدوي , أكتب ( غنمي ) فكتبت ( غنم ) ثم تنبهت سريعاً أن الكلمة ناقصة , فأضفت إليها 
الياء , فصارت ( غنمي ) فقال الشيخ : شاطر شاطر ! . 

عدنا في مساء اليوم التالي , فرأينا التلاميذ مجتمعين أمام ورقة علقت على الباب , فلما رأوني , قالوا : تعال , تعال , يا عاتق أنت الأول ! الأول ! لم أستطع هضم هذه الحقيقة وبقيت وقتاً وأنا أظن أن في الأمر لبساً , ولم يكن يقيناً لي حتى باشرت السنة الثانية . 

ان أخي رحمه الله مشغوفاً بحب أهله وأرضه , فما أن فارقنا المدرسة حتى قال : هيا نعود إلى ديرتنا .  ؟! والدراسة ؟ قال : نمضي العطلة هناك , ونعود للدراسة , هدأ روعي ولكن قلت له : 
أنا أريد أن أواصل دراستي في الحرم , فأخذ مني عهداً ألاّ أعيد عيد الفطر إلاّ معهم 
وأن يكون بقائي عند آل زياد . 

وما أدراك ما آل زياد ؟
إنهم نبذة من تأريخنا , وفلذة من مجتمع بلد الله الحرام .
 

نبذة من تأريخنا لأن دعامتا البيت جاءا فارين من الطائف سنة 1343هـ = 1924م , ولم يعرفا بعضهماإلاّ في أخصاص وضعت لإيواء أمثالهما ! ،ثم تزوجا على يد أحد علماء مكة الأفاضل , وسكنا بيتاً حيث يلتقي حيا الشبيكة وحارة الباب , فأنجبا ابناً سمياه زياداً . 

بكـّــرنا ذات يوم من مسكننا الذي وصفته سابقاً , وفجأة اعترضنا شاب يماثلنا سناً , فقال : تشتغلون ياعيال ؟! قال أخي بكم ؟ قال : السائر مقطوع , العامل العادي بريال , وغيره كلٌ له سعر! وافقنا , فأسرع بنا ذلك الشاب المحترف , فسلمنا العمل عند المعلم النمر .
 

كان زياد شاباً تظهر عليه عناية أمه من تغذية ولباس , ولأنه ابنهما الوحيد أرادت أمه أن تجعل منه سروياً !
فكان ثوبه قصيراً مصبوغاً بالسدر , يحتزم بمصــدّع مصبوغ بقشر الرمان , وعلى رأسه
عمامة معصوبة عصباً سروياً , يتحرك بنشاط ويبتسم لكل إنسان .
قال زياد : أنا مالي أخوان , أنتم أخواني . أما أنا فراقتني الفكرة , ولكن أخي لم يرد . 
أذّن الظهر , أو أُذّن له فرمى كل عامل ما بيده , وأسرعنا نتوضـّـأ من البراميل , فإذا بزياد يقول : هيا الغداء عند أم زياد ! فأبى أخي بإصرار .
فقال : إذاً والله ما تتغمدون إلاّ معي , أنا أجيب الغداء هنا . فأنطلق كالريح , وما هو إلاّ وقت قصير 
فإذا هو يعود بما كان يسمى سفرطاس , فيه أنواع من الطعام . 

وعندما أخرج زياد الخبز من كيس معه , هالني ذلك الخبز بكبر حجمه , قال زياد : هذا خبز بيتي من صنع الوالدة . 
كان المكي يستحي أن يأكل في المطعم , فهذه المطاعم وضعت للأغراب وشذاذ الأفاق . 

وكانت المكيات يغالين في فنون الطبخ وصنع الخبز , حتى إنك تشعر بسعادة وأنت على سفرة مكية . 
والمرأة المكية فوق هذه الخدمة هي ذات صون وعفاف , ومن قال غير هذا فعليه من الله ما يستحق .
صلينا المغرب والعشاء في المسجد الحرام مع زياد , فقال : أم زياد عازمتكم على العشاء , 
وحالفة يمين لازم تشوفكم .
كان أخي قارب البلوغ وكان ينفر من مجالسة النساء , فتضايق , وقال : وأبوك يازياد ؟ قال : موجود . 
قال أخي : على بركة الله . 
 

في مجلس أبي زياد انسجم أخي وأبو زياد في الحديث وانشغلت أم زياد في إعداد الطعام . كنت سؤلاً إلى درجة الإملال, فقلت : أنتم من أي قبيلة ؟! قال أبو زياد : أنا من الطائف – فدخلت أم زياد – فقال : وهذه من الشرائد ؟
 

قالت أم زياد : لا ياحبيبي , الشرائد ماهي نسب , أنا من ( متعان). وهو أيضاً من الشرائد . 
انتهت السنة كما أسلفت وذهب أخي إلى ديرتنا , وذهبت أنا إلى بيت آل زياد .
استقبلتني أمنا – أم زياد – مرحبة .
قالت أم زياد : أنا أملت في الله أنك ستأتي , ولذا حضّرت لكم بضاعة مريحة ,تنامون بعد الفجر
وأنا أحضر السوبية , وبعد العصر تبسطون عند مسجد المحجوب !
ما كنت أعرف ما السوبية , ولكن ثقتي في أمنا جعلتني أوافق .
كانت حصيلة بيعتنا تصل في اليوم إلى(12) ريالاً , وأصررت على أن تكون الأرباح 
مثالثة فيكون الثلث لأمنا .

كان ردّة الزيادي الهذلي معقـّــلاً لجمال قومنا , وكنت أوصيته أن يخبرني إذا جاءت منهم قافلة في آخر رمضان , وهذه الليلة السابعة والعشرون من رمضان , جاء ردة ليقول : غداً عندي جمالة من جماعتك.
إذاً هو موعد الوفاء بالوعد للأخ الحبيب , وسافرت مع الجمالة .
 

عـيـّـدنا في ديرتنا ثم عدنا إلى البلد المطهر , ولكن بدأ الشد والشد المضاد بيني وبين إخوتي , 
أنا أريد السكن قريباً من آل زياد , و إخوتي يوصون أخي بإبعادي عنهم : 
( هذولي ما عندهم عيال ويهبون لهم ولد , وهذا ورع مهبول , قالت له هذه العجوز : أنا أمك وتعلق باه ) .
وأنا أرى كل هذا باطلاً.
وجاء الحل الوسط برأي أم زياد نفسها . أن نسكن في دحلت الموارعة , وهذا الولد ما هو حمل حجر وطين, يتكسب في الحلقة , ويتغدى في بيت آل زياد , ويدرس بعد العصر في المسجد الحرام , ويدرس بعد المغرب في المدرسة الليلية ,ويبيت مع أخيه في دحلة الموارعة، و وافق الجميع على هذا المنهج الذي يدل على تدبير حكيم .
 

جرت هذه السنة الثانية لدراستنا على ذلك المنهج , وجاءت العطلة كما كل السنين , 
وعدنا في نهايتها , وفي الطريق حـُـمّ أخي , فلم يعد يستطيع المشي , 

وكانت هناك شركة سيرت سيارات بين جدة ومهد الذهب , فركبنا في سيارة منها بريال الفرد الواحد إلى جدة ,
ومن هناك إلى مكة المكرمة , أسرعت بإدخال أخي إلى مستشفى جياد المنشأ حديثاً , ولا غيره في البلد , وفي اليوم الثاني توفي أخي في ذي القعدة سنة 1369 هـ.
 

أسرعت إلى بيت أمنا , فاستقبلتني واجمة حزينة , إلاّ أنها رحبت بحرارة , وقالت : أين عطية الله ؟! 
قلت : مات !! قالت : يا الله ! هم متواعدين !
قلت : من هم ؟! قالت: أخوك زياد مات ! الدائم الله , كل من عليها فان.
أذن للعصر فقمت وقامت معي وهي تقول : خلاص ياولدي , ما عاد لي غيرك , ولا لك غير هذا البيت , هذا بيتك . 
 

أومأت برأسي ! قضيت ما قبل العشاء في حلقة عبد الظاهر أبي السمح - رحمه الله - , كان زياد يوصيني بها , يقول : هؤلاء شوافع , وأنتم شوافع . على أني لم أكن أفرق بين عبد الظاهر وأخيه عبد المهيمن ,وصالح الفلسطيني الحنفي , وعلوي المالكي , فكل موارد العلم قراح . 

وهكذا صرت فرداً من آل زياد , 
وكنت أصر على أبي زياد أن آتي بالفطور و برسيم الغنم معي و أنا عائد من المسجد الحرام بعد الفجر . 

كان أبو زياد رجلاً رزيناً حزيناً , واسع التفكير , أتخيله تجاوز الخمسين عاماً من عمره . 
كنا نقول له : لماذا لا تضحك ياعم أبا زياد ؟!.
فيقول : أنا أضحك ؟ أنا يا ابني سؤر النكبات , فكيف أضحك ؟!
كان لأبي زياد بيت وزوج في الطائف , فيقول : زوجتي راحت تحت سنابك الخيل , ولا أدري من دفنها , وابنتي فرت فلم أرها ! ورزقني الله زياداً فمات ! . 
 

نعم , هذه نكبات , ولكن أبا زياد استمرت به الحياة , فرأى نكبات أخر ,و أفراح , فقد ماتت أم زياد – كما سيأتي – و وجد بنته و أولادها , و تزوج و أنجب !. 

منذ أن عرفنا المدرسة , وعرفنا هذه العطلة الطويلة , تقلبت بنا الأمور , فكنا أنا و بعض زملائي نقضي منها شيئاً في وادي فاطمة , الذي كان يسمى الوادي الأخضر , فحيناً كنا نشتغل بالأجرة في قطاف البامية و البندورة و الخربز ،و حيناً في تجهيز البرسيم و مثله .
 

وفي كل هذا كنا نرعى كما يرعى البهم , فنأكل البامية نيئة , و البندورة و الخربز , وكل ما تقع أيدينا عليه , وكان أهل الوادي أجواداً , لا يمنعون أحداً عن ذلك .
 

ذهب الوادي الأخضر اليوم وجفت عيونه وغابت نضارته , وجلا جلّ أهله . 
أما في الحج – وكان أهل مكة لا يخلّف منهم رجل – فقد ابتكرت لنا أم زياد بسطة في منى , 
نبيع فيها الحمص الذي كان يشتريه كل الحجاج , يهدونه إلى أهليهم إذا عادوا إليهم , 
وكانت تجارة مربَحة.

 ما زالت أم زياد تضغط علي لأدخل المدرسة النهارية و تغريني بميزاتها : يا ابني هذي مدرسة نهارية حكومية تفيدك شهادتها .
ولكني كنت أحسب حساب الرزيا , فليس في هذه الحياة مضمون ,وما زالت أمنا حتى اشترت مكينة خياطة لتوفر لي عوضاً عن دخلي في العمل النهاري . 
وفي نهاية السنة الثالثة الدراسية لمً علينا فتى يقاربني سناً , تخرج من الابتدائية وعين مدرساً في المدرسة الخالدية , فشغله شيخنا الميرابي في هذه الليلية . 
توطدت الصداقة بيني وبين هذا المدرس : سعد الأحمدي , فضم صوته إلى صوت أمنا فاشترطتُ
أن أقبل في السنة الخامسة . قال : أطلب منهم أن يختبروك . 
و هكذا صار ، ونجحت و صرت طالباً في السنة الخامسة الابتدائية في المدرسة السعدية بجرول 
جاءت ردة الفعل على هذا الحدث على شطرين : فمن جانب أمنا كانت غطاريف , وفرحة عارمة ,أفقدت تلك الأم الرزينة توازنها , حتى رقصت في البهو , ووعدتني بقلم ( باركر)! 
وانتظرت أبا زياد على رأس الدرج لتبث له هذا النصر المؤزر .
ولكن أبا زياد لم يزد على هزة الرأس ,وكأن شيئاً لا يعنيه , مما هدّأ من هرولتنا التي تشبه الهستيرية!

مازال ذلك المنزل ترفرف في جنباته حمائم السعادة , حتى استيقظت ذات ليلة لقضاء الحاجة , 
وقد ذهب معظم الليل , وكان الطريق يمر من أمام غرفة أبي زياد , فسمعتهما يتحدثان , 
فأثار هذا استغرابي , فسمعت اسمي .
كانت أم زياد – رحمها الله – أبدت لي أن تخطب لي بنت باهبري الجميلة التي تحبها أم زياد , 
فأقنعتها أن الوقت مازال مبكراً . عندما سمعت اسمي ظننت هذا اجتماعاً لدراسة تلك المشكلة , 
فتلبـّـثت أستمع – يغفر الله لي – فسمعت ما غير حياة هذا المنزل ! قالت أم زياد :
( طيب , أنت ما أنت شايف يا أبا زياد إني ما عاد أقعد معه إلاّ و أنا بكامل حشمتي ؟
لكن يا أبا زياد أنا أجد فيه ريح زياد ! ومن يدري ربما لايشيلنا يوماً ما غير هذا الولد ! )
أبو زياد : ( هيّا أقنعي الناس إنك تجدين فيه ريح زياد !.)
لقد سمعت ما كفى , فعدت إلى غرفتي فلممت ما أملك ,
وما كان يزيد عن صرة أضعها على كتفي , وجلست أنتظر الأذان , فلما تعالى من منارة باب إبراهيم , إنتفحت تلك الصرة على متني , وانهزمت مع الدرج .

قضيت صلاة الفجر في المسجد الحرام ثم يممت المدرسة السعدية في جرول، ولكن المشكلة هذه الصرة , أين أضعها ؟! فتذكرت ذلك الرجل الطيب أبا عريمط 
معقل جمال أهل اليمن – واليمن في عرفنا ما حازت مكة جنوباً – أبو عريمط : هو رجل من قبيلة الجحادلة الكنانية .

اتخذ حوشاً قرب حلقة الحطب , يستقبل فيه جمـّـالة دياره , وأم عريمط تساعده .

تذكرت ذلك الرجل فقلت مع الشافعي – رحمه الله - :
سلمت على أبي عريمط , وكانت أم عريمط تشعل النار تحت قدر كبير , لعله فطور الجمـّـالة .
عرضت على الرجل مشكلتي , فقال : لك عندي بيت مناسب , فأشار إلى صندقة لها بابان 
احدهما إلى داخل حوشه والآخر إلى الشارع مباشرة .
فقال : هذه الصندقة , الشهر بخمسة ريالات .
كانت صندقة واسعة مفروشة ببساط حصير من سعف الدوم , مما يعمله اخواتنا الإفريقيات .

فقلت مع امرئ القيس /
ألا إن لم تكن إبلاً فمعزى ****** كأن قرون جلـّـتها العصيّ

حقيقة إن هذه الصندقة إذا قورنت بذلك القصر في حارة الباب , لهي أهون من المعزى إذا قورنت بالإبل ! 
ولكن مادام ملك الشعراء رضي بمثل هذه القسمة التي لا خيار فيها , فما علينا إلا الرضا .

ناولني الرجل المفتاح وأنا أسمع طلاب المدرسة السعدية ينشدون ( شباب العلا يا شباب العلا ) .
نعم , ابتكر أهلنا كثيراً من الأشعار الوطنية , وخاصة في تلكم الحقبة , رجاء أن نكمل ما بدؤوه ,
أو قل عجزوا عنه , فالبلاد كانت منكوبة , فقد تجزأ ما بين عدن إلى إسلام بول , إلى نحو عشرين كياناً هزيلاً , وأغار بنو صهيون علينا واقتطعوا منا  لية الخروف , وشعر العرب بالهوان , 
وصار كل يندع بني عمه بالخيانة والجبن , وهو الشريك لا محالة , فبدلاً من أن يغيروا
على اليهود والنصارى , أغاروا على بعضهم , يقتل الأخ أخاه , ويأخذ أرضه ليوسع بها رقعة دولته .
أسرعت إلى مدرستي فأدركت آخر الطابور , وكنت أحس بإنعتاق واستقلال .

انصرفنا لفترة الغداء وقد عاد صديقي محمد درة الخزاعي، فأسرع إلي يساعدني في تأثيث المسكن , فاشترينا زيراً , ودافوراً , وقدراً , وكل المستلزمات المتواضعة , ولا أنسى له – رحمه الله - إقراضي جنيهاً ذهباً !

وكانت أم عريمط تنتظرني بالغداء , لقاء أن أساعدها على الجـمـّــالة المتعنتين .
وقلما أجد أبا عريمط المشغول في باديته

(كان مديرنا الأستاذ  يحيى أوان الجاوة ) ثم تغير , فجاء فلان الصواف . صـفـّــر المراقب فخرجنا من الفصول ,فإذا المدير يستدعيني . وعنده وجدت فلان أخا أم حمزة ( الدكتور حمزة اليوم )
كانت صديقة حميمة لأم زياد . قال خال د/ حمزة : ( يبغونك في البيت ) قلت : يكون خيراً . 
وما أردت أن أذهب إلى هناك . وجاء اليوم التالي فكان كما كان أمس , فتدخل المدير , 
وقال : الأمر ضروري , فقلت : كما قلت أمس . وفي المساء كنت أصلي خلف المقام , وما أن انقضت الصلاة
حتى أحسست من يضع يده على كتفي , فنظرت , فإذا خال حمزة , يقول : هيا . وفي عينيه أسى , فسرنا .

أوصلني الرجل إلى باب بيت أبي زياد , وواصل سيره باتجاه بيت أبي حمزة .

فتحت الباب كما كنت أفتحه أيام كانت ترفرف عليه السعود , ولكن رابني أن المنزل كان مظلماً , وما كان كذلك .
كانت أم زياد تشعل القناديل بمجرد أن يتعالى آذان المغرب في منائر المسجد الحرام.
صعدت الدرج , وأنا أقول : ( يا ساتر ) ! هكذا كان المكيون ينبهون إذا دخلوا البيوت أو صعدوا الدرج .
جاءني من بعيد صوت أبي زياد , يقول : ادخل ادخل يا ابني . دخلت , فوجدت الرجل في غرفة أم زياد , 
فسلمت , ثم نظرت فقلت : أين أم زياد ؟! قال : ماتت !! 

ما كانت مثل هذه الجلافة في المكيين , بل كانوا يطوفون بالكلام ,فيقولون مثلاً / غضبت وخرجت , ثم يقولون : إنها مريضة . 
يوطنون بذلك نفس السائل على تلقي الخبر المفجع . أما هذا الجواب فهو يضاعف الفجيعة .
تمالكت نفسي فسألت : كيف ماتت ؟! قال :
أنا قتلتها ! صعقت لهذا القول , وكدت أسرع إلى الباب , وأصرخ فأقول : تعالوا اقبضوا على القاتل .
وكأن الرجل أحس بما في نفسي , فقال : ايوه ! أصبحنا , فأسرعت المرحومة توقظك للصلاة , 
فلم تجدك , فعادت إليّ كالمذعورة , لتقول : عاتق غادر البيت . قلت : لعله بكر للصلاة ! 
قالت : لا , لم يبق له شيئاً في غرفته , ثم حمّت , وعالجها صديقاتها بكل ما يعرفن من علاجات ,
ولكن المرض ظل يزداد , وبعد شهر ماتت!

كانت – رحمها الله – تحرص على صرف نقودي من ريالات إلى جنيهات , 
وتحرص أن تريني إياها .لم يطل الوقت , فتنهد الرجل وقال : تعال يا ابني خذ فلوسك , 
وفتح الصندوق ( أبو صرخة ) الذي كانت أمنا تحتفظ به في غرفتها , وقال: (شوف الحاوية التي فيها فلوسك )
كنت أعرفها جيداً , كانت أمنا تريني إياها و تجمِّعها لتزوجني بها بنت الجيران الجميلة !

بعد أيام رأيت أن هذا الشيخ الذي نالتني أمانته , وبقي وحيداً يستحق الزيارة . 
وذات مساء ذهبت إلى هناك , وطرقت الباب , ولكن أحداً لم يرد , 
فأطلت أم حمزة من الروشن , وهمست : ( ما فيه أحد )! أبو زياد أنزل كل أثاثه إلى الحراج وغادر الحي .
ولكن الرجل ظهر فيما بعد في مكان آخر , لعله يمر معك بعد حين .
أم عريمط علقت على الخبر , قائلة : عاد إلى الطائف ! يا عاتق ! كل إنسان إذا بقي وحيداً 
تذكــَّــر ناسه ومدارج صباه ! هذا معنى ما قالت .
كان الناس ينظرون إلى الحياة العسكرية نظرة غير التي ينظرونها اليوم ،حتى مشايخنا كانوا إذا ذكر من التحق بها ترى في أعينهم عدم الرضا .
وكان شيخنا عبد الظاهر أبو السمح يشكو من ابنه الذي تعسكر !
وقد رأيته ضابطاً فيما بعد .

أنهى الشيخ ..... محاضرة خاصة في المعهد العلمي , فقال المشرف : مكانكم ! فدخل ثلاثة ضباط يرتدون بدلاً زيتية اللون .
فجلس اثنان منهم في مجالس الطلبة , وتقدم الثالث أمامنا , فقال كلاماً يرغب في الالتحاق بالمدرسة العسكرية في الطائف .

 

وعند خروجنا أمسك بيدي الزميل سليمان الوشمي , فقال : ما رأيك فيما سمعت ؟
قلت : لم نخلق لهذا ! فمازال بي حتى ملت إلى رأيه .
وفي اليوم التالي وجدنا أنفسنا نقدم عريضة إلى من سميناه قائد الجيش !
وهو قائد القشلة العسكرية بمكة , فجاء الجواب بسرعة قياسية , فقيل لنا : غداً تجدون عند الباب سيارة ( لوري ) وتجدون عريفاً يأخذكم ويسلمكم إلى المدرسة العسكرية . تفاءلنا بهذه السهولة ,
فتواعدنا غداً الساعة الواحدة صبحاً ( بالتوقيت الغربي )  ما كان هذا التوقيت معروفاً آنذاك 
حضرت في الموعد المحدد , فوجدت السيارة واقفة , والعريف إلى جانبها , وكان بعض الجنود يتوافدون , ويسلمون إلى العريف أوراقهم .
ولكن زميلي لم يحضر , فأسرعت إلى منزله خوفاً من فوات السيارة .

طرقت الباب ففتح , فإذا بأم سليمان ! قالت : أنت عاتق ؟! قلت : نعم ياخالة 
قلت : عليك وعليك ........ ,أنت تأخذ ابني للعسكرية , ( ما حنا جياع !)
كان في إمكاني أن أقول : إن الفكرة فكرته ! ولكني فضلت أن أضحي عنه بهذه الورطة , 
فعدت مسرعاً , فإذا السيارة على وشك التحرك .
فسارت بنا في طريق وعرة , فمررنا بالشرائع فالزيمة , فعلى طول نخلة اليمانية , 
فلم نصل إلى السيل الكبير إلاّ مع صلاة الظهر . وكان واديه سيلاً يجري . 
واصلنا سيرنا فلم ندخل قشلة الطائف إلاّ مع الغروب .

دخلنا القشلة , ومعنا العريف المرافق , فاستقبلنا العريف المناوب , 
فأدخلنا في غرف خصصت لاستقبال الجدد , ولأول ليلة شعرت بغربة مقلقة , فلم أنم ،
وفي صباح جديد , لجت الصافرة , وتبعها : الصلاة , الصلاة . فأسرعنا نتوضأ ,
ويتبع بعضنا بعضاً إلى المسجد . ثم صافرة أخرى , تبعها : لبس ! ثم ثالثة , تبعها : بــرّ ا 
كان ذلك في أول شهر جمادى الأولى من سنة 1372هـ

دخل العريف فقال : الملكي ما يطلع الميدان . سألت أحد الجدد . قال:الملكي الذي لابس الثياب , والعسكري الذي يلبس البدلة العسكرية .
عند الاختبار سألني المختبر , ما اسم عاصمة اسبانية ؟ قلت : مدري ! 
قال : صح .. وأعطاني العلامة كاملة ! كان يظن أنني أقول ( مدريد ).

لم أوفق في دخول المدرسة العسكرية فأحلت إلى إدارة الجيش , فعينت نائباً كاتباً. 
وهي رتبة تعادل رتبة وكيل رقيب اليوم . فرحت فرحاً بهذه الرتبة الناجزة
بدل البقاء ثلاث سنوات في المدرسة العسكرية .

 

في الفترة التي تلت حدثت مفارقات , لو قيل لي إنها تحدث في مؤسسة عسكرية جهادية ما صدقت
ولكن يبدو أن أثر البيئة المتراكمة من العهد العثماني , كان صعباً اجتثاثها , 
ولكن لأن بعض أصحاب أدوار ما نرويه لازالوا أحياء أو بعض ذرياتهم , فقد عمدت إلى الرمز
في الأسماء , فمثلاً (ج) بدل جمال . و (ي) بدل يعقوب أو يحي , ونحو ذلك
عينت أمين السرية الثانية , فأخذت القرار فرحاً مسروراً , وما أن ولجت الباب حتى رأيت أمامي 
ضابطاً برتبة رئيس (نقيب) ! حاولت أن أعطي التحية التي لا أجيدها : وناولت الضابط القرار ,
فأشار إلى عريف كان على يميني على مكتب , فناولته الورقة  نظر فيها وتبسم ,
وقال : الرجال أمين السرية الثانية ! فانتفض الضابط (ي) وقال : أنت ؟ وأنا وش أبغى بك ؟! 
كاد قلبي يسقط ! وقلت في نفسي : ضاعت الوظيفة ! نعم , أليس هذا ضابط يقدر يعين ويعزل ؟! 
قلت : هم أرسلوني ..

 واحتد وأغلظ وشتم ! ثم أشار إلى كرسي وقال : اجلس , وأملاني مذكرة ! 
كان تعييني في 15/ 5/ 1372هـ , ولم أبلغ العشرين من عمري , وكانت ثقافتي جلها حرمية .
وجاء رمضان , وكان الدوام ليلياً . خرجت من مكتبي إلى السرية لغرض ما , ثم عدت .
عندما عدت وجدت مكتبنا محاطاً بثلة من جنود البوليس ) الشرطة العسكرية ) فإذا بالملازم سعيد الزهراني 
قائد البوليس يصول ويجول كالثور الهائج : تعال يا فلان هنا , وأنت يا فلان هنا .
كل ذلك في استعداد كأنه ينازل الأسد ! . وفجأة ظهر الفأر , ظهر النقيب (ي) الذي لم يبق في فمه سن واحدة , ظهر يعتل بين جنديين , والسلاسل في يديه . فصاح قائد البوليس : حطوه في السيارة . 
وهكذا ذهب به , وسوف أبييكم لاحقاً عن مآله السيئ وسيرته السيئة , اللهم لا شماتة.

 المثل يقول : إن أهل مكة حجوا كلهم – وهي عادتهم فيما مضى –فأغار أهل وادي فاطمة عليها , فقيل هذا .
فبالقبض على الضابط (ي)لم يعد في سرايا التموين سوى مساعد البيشي , وكيل 
السرية الأولى , وعاتق البلادي , أمين السرية الثانية , حتى عبد الله (م) - الذي قال :
الرجال أمين السرية الثانية – قد قبض عليه في أمر مشين , وأودع السجن .
فصار مساعد مدير الشئون العسكرية للسريتين , وعاتق المسؤل عن الشئون المدنية والإدارية .

خلت الديار فسدت غير مسود ****** ومن البلية تفردي بالسؤدد

ظهر أن هذا الضابط كان قد اتخذ سمساراً يدعى فلاناً (ش) وهو عــَـــود من أهل السراة ,
أدجم الفم من الكبر , على أن يقوم هذا السمسار بأخذ مبلغ ستين ريالاً من كل جندي يريد إجازة ,
ثم يدفعها لذلك الضابط .

 

وكان هناك جندي اسمه عبد اللطيف أصفر من أهل سورية , جئ به مع أمثاله من جيش الإنقاذ , فطلب 
إجازة ليقضي العيد عند أهله , فموطل , فعرف السبب , فأسرع إلى
وزير الدفاع , الذي طلب السمسار , فاعترف فوراً , وأخبر بكل شئ , 
فحدث ما سبق ذكره من القبض على (ي)

في يوم العيد اجتمع ضباط الجيش في نادي الضباط , فقدم الجاني , ونزعت رتبته وبذلته , 
وطرد بثوبه المدني ؟ وكثر اللغط , ولكن ( ما أكثر العبر وأقل الاعتبار)

شهران , وجاء الحج ! وفي موقف السيارات , رأيته وفي يده ورقة ,يسمسر على السيارات ! يا مسمسر له يا مـُــسَــمســِر.
 

إذا كنت في نعمة فإرعها *** فإن المعاصي تزيل النعم
وحـافـظ عـليـها بشكر الإله *** فـإن الإلـه سـريـع الـنقم )

لم ننعم أنا و البيشي بوضعنا القيادي الذي لم أعلم له مثيلاً من قبل ! إلاّ بقية رمضان .
وذات صباح بعد العيد وصل إلى هذه الوحدة ضابط يبدو أنه في الخمسينيات , ممتلئ الجسم ,
حسن البشرة , قمت له واقفاً قال : أنا الرئيس ( ج) قائد السرية الثانية .
رحبت به وأرسلت إلى مساعد فحضر . وعقدنا اجتماعاً تحدث فيه هذا الضابط 
بما كنا نتمنى أقل منه , ثم قام إلى مقر إعاشة الجنود فتفقدها , وناقش المسؤل عن الإعاشة , فلم يعجبه ,ثم عمد إلى المحاسبة , وحث المحاسب على التبكير برواتب الجنود .
فاستبشر الجميع خيراً , وفرحوا بما آتاهم , وأقاموا حفل عشاء لقائدهم المصلح ,وقص عليهم سيرته : أنه كان ضابطاً في الشرطة , وعمل مدة في شرطة رابغ،ثم فصل – ظهر بعد ذلك أنه فـُـصـِـل – فالتحق بالجيش , كاتباً مدنياً برتية عسكرية , 

كانت تسمى (كتابية) تميزاً عن الحربية , ثم لقلة الضباط آن ذاك عين هنا . ووعد بما لم يعد به من أرسله . 

من أمثال العسكريين: ( الجيوش تمشي على بطونها ):  
ذلك أن الجندي إذا جاع هزل , و إذا هزل لن يكون مقاتلاً .
لذا تقرر الجيوش لجنودها إعاشة يومية مجزية , وتحرص على أن تكون طازجة , و ذات نوعية غذائية مفيدة .

في هذه الليلة التي زارنا فيها النقيب ( ج) قائد سرايا التموين ,استدعاني و سألني : كيف الإعاشة ؟ قلت : أنا بعيد عنها , اسأل مساعد ! 
قال : ما يجي " بخبر " ثم قال : أنت تولى الإعاشة و هكذا كان .

بكرت إلى مكان صرف الإعاشة , فسارع موزع اللحوم فقذف بذبيحة على الميزان , 
فتلقفها طباخ السرايا قبل أن تستقر على الميزان , ثم نظر إلي وقال : خلاص استلمنا الإعاشة !.

تبعته إلى المطبخ , وقلت له : الذي عملته في اللحم إجراء غير سليم ,
قال : الجنود قالوا لك : أنا نأكل إعاشتهم ؟! قلت : إن قالوا أو لم يقولوا , نحن أمناء على هذا العمل .
قال – وبنفس شينه- أنا أتفاهم مع القائد . 
قلت : أنت طباخ واجبك أن تبقى في مطبخك و تأتيك الإعاشة لتطبخها فقط , وغداً لا أراك هناك . 
و جاء غد , فإذا بالطباخ على حافة الميزان , فكادت تتكرر عملية الأمس , ولكني أمسكت بالذبيحة و دفعت الطباخ السمين , ونظرت إلى الميزان , فإذا ما عليه ثلثي المقرر فقط , فنظرت إلى القصاب , فقال : ما هو أنا جايك أهوه؟! فإذا هو يرمي بنصف ذبيحة و يرمقني بعين حارة . 

عرفت أن الشركاء كثيرون , وأن هذا الاختلاس لا يذهب إلى جيب شخص واحد.
عدت إلى مكتبي فإذا النقيب (ج) , يقول : البارحة جاءني المصري , ويقول : أن بينكما نزاعاً على الإعاشة ! 
حاولت أن أشرح له الوضع فأشار بكفه , و قال : ما أريد فضائح في الوحدة ,
إذهب إليه بعد العصر في بيته و تفاهما.

ذبت إلى الطباخ , فرحب و سهل و جاء بالشاي , وبدأ يشرح الوضع بكل وقاحة ,
وأن هذا الذي يبقى عند الجزار ما هو له ( يخسأ) نحن نتقاسمه (بالذمة و الأمانة ) ! 
ثم نقدني جنيهاً ذهباً , كان يساوي أربعين ريالاً, أي ما يعادل ثلث راتبي الشهري ! قلت له : يعني الصيد سمين ! 
قال : إيوه نحن نأخذ من المتعهد كل يوم أربعة جنيه ! 
وضعت الجنيه في صحن الفناجين , و قلت : هذا أعطه مرتك ! قال: و على أيش اتفقنا ؟!
قلت : على ألاّ تقف بعد اليوم على الإعاشة. وخرجت ولم يقف الطباخ اليوم التالي و تم كل شي على ما يرام .

كان هذا حال قائدي عندما عدت إلى مكتبي بعد الفراغ من الإعاشة .
إذ قال : زرت الطباخ أمس ؟ قلت نعم .
قال : تصالحتم ؟ قلت : أنهينا أمرنا . قال : ولكنه جاءني يقول غير ما تقول !
قلت : الأمر كما أخبرك, و أظنه يسرك ! فنظر إلى العريف (هـ ش) الذي كان المسؤول عن الإعاشة قبلي , قال : ما نبغى مشاكل , تولّ أنت يا (هـ ) أمر الإعاشة . وهكذا كان .

وجاء حج عام 1372هـ , وها نحن اليوم :3 في الثمان , والعطلة تبدأ في 5/12/1372هـ. و كان هذا أول حج يأتي و أنا خارج مكة المكرمة ,فاشتقت إليه اشتياق المحب إلى الحبيب , فتقدمت بعريضة إلى النقيب ج , أطلب إجازة حج .

فسألني : كل سنينك في مكة ما حججت؟! قلت بلى , كنت أحج كل سنة . 
قال: إذاً هذه السنة ماتحج , فالحج مرة واحدة في العمر . قلت : هذا الركن , ولكن تكراره مرغوب . 
قال : إيوه أنتم فقهاء.

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها * * * * فرجعت وكنت أظنها لا تفرج!

جاء مساعد البيشي بعرائض لجنود يطلبون إجازات , 
بعضها للحج , وبعضها لقضاء العيد عند الأهل .
فأشار ج إلي فوضعها مساعد بين يدي .
نسقت العرائض و قمت لأضعها أمام النقيب , فأشار إلي أن ابقها عندك . و هكذا صار .
و في اليوم التالي كلمته فيها . فقال : هؤلاء ما يمكن أن يستفاد منهم ؟!
لقد فهمت ما يومي إليه , و لكني قررت التغابي , لعلها تمر بسلام ! فقلت بلى ! هذا فلان عريف , وفلان جندي يقرأ و يكتب !
فإذا الرجل يضع كفه , ويقول : خلاص, خلاص... و أحمر وجهه فهو كضيم . قلت : وبصوت هادي : أنت سألتني !. فحملق في وجهي !
قلت له : بكرة العطلة . فنظر إلي و قال : أنا قلت لك : ما يمكن أن يستفاد منهم ؟!
وفرك الإبهام بالسبابة !فلم يعد للتغابي مجال . فقلت ما رأيت ماحدث يوم العيد في نادي الضباط ؟!
فقحص من مكانه , وقال : أنت تتهمني يا ولد ؟! قلت : سبحان الله , تغابينا فغضبتم , 
وصرحنا فلم يتغير الحال : فصار ما صار وخرجت و أنا أقسم ما ارجع الاَّ من عند الوزير .

اذا لم يكن غير الأسنة مركب * * * * فما حيلة المضطر إلاَّ ركوبها:

ذهبت إلى الخثيمي- جندي يبيع ما يطلبه العسكر, فاشتريت ورقة وجعلت أكتب ! فإذا بمساعد البيشي يسرع إلي وهو يقول : أصبر , أصبر !. ومعه العريف مسعر, وعريف آخر . قالوا: ربع ساعة ويتم ماتريد.

وذهبوا إلى ج , وعادوا سراعاً, فامسك مساعد بيدي , وعقد الخنصر , وقال : تحج من اليوم , و عقد البنصر , وقال : و تأخذ عشرين ريالاً نفقة الحج, 
وعقد الوسطي ,وقال : و ما حدث لا يعاد .

فعقدت أنا السباب, وقلت : وتمضي عرائض الجنود.! قال : وتمضي عرائض الجنود.!
وما هو إلاَّ وقت قصير حتى تم ذلك كله .

وما أذن للعصر إلاَّ ونحن في بيت الله الحرام , وقضينا مناسك العمرة, ثم سرنا نتفقد الأخوان و الجيران , و على رائسهم :
آل عريمط, و الوهيبي , و الخال زيد, والعم يحيى......... إلخ .

في عام 1372هـ = 1952م قام عدد من ضباط الجيش المصري بانقلاب على الملك فاروق ملك مصر , و سمو ذلك ثورة , و لما كان كل أولئك الضباط من الشباب , وأكبرهم رئيسهم البكباشي (مقدم : جمال عبد الناصر , عمدوا إلى تنصيب اللواء : محمد نجيب رئيساً على الجمهورية ) قالوا إن ذلك لعدة أسباب : 
1. كان نجيب ذا رتبة كبيرة , ومعروفاً لدى الشعب المصري لتهدئتهم .
2. كانت أمه سودانية , والسودان كان جزءاً من مصر رغم عدم وجود أي دور له في الحياة العامة , مما أدى إلى انفصاله سريعاً!.
المهم إن محمد نجيب كان رئيساً , و حتى يزيح هؤلاء الضباط أية شبهة من جهة العالم الإسلامي , قرروا أن يحج رئيس جمهوريتهم .

وفي أيام منى قضينا كل ما يقضي في ذلك اليوم , ثم عدنا إلى منى !.
وعند القصر الملكي وجدنا حشداً غفيراً من الناس يهتفون و يصفقون : يانقيب , يانقيب ...! فاطل نجيب من إحدى شرفات القصر , ولوَّح لهم بيديه , فانصرفوا !
أما نحن الطلبة فقد استهجنا ذلك , ولمنا الحكومة الإسلامية التي تسمح في مشاعر الحج بـ(مكاء و تصدية )!أما بقية الغافلين فلا يعتقد أنهم شعروا بشئ غريب .

في ذات عشى كنت أسير – في الطائف – بين حارة أسفل و الشرقية , وكانت تلك الأرض براحاً لم يشملها العمران , وكان فيها مقهى كبير يرتاده الناس, وكنت ومن عشت معهم لا نرى الجلوس في مثل هذا . وعندما حاذيت المقهى فإذا بيد تلوح لي , فحققت النظر , وكنت بملابس عسكرية !فإذا بأبي زياد ! ملت إليه ، ونسيت إني أرتدي البذلة العسكرية , فتعانقنا بحرارة , وقال : ليت أم زياد رأتك في هذا الحال !.
علمت من أبي زياد أن الدنيا ضاقت في وجهه , بعد وفاة أم زياد , فجاء إلى الطائف فوجد كل ما يسره , فقد وجد أخت زوجته القديمة و وجد أنها احتضنت بنته بنت أختها , ثم زوجتها ولدها ,و وجد لها بنين وبنات . وقالت : أختي راحت في هذه البرحة تحت سنابك الخيل , ونحن عمدنا إلى السراة !ولا ندري عنك شيئاً , ظننا أنك قتلت ! قال : ثم قدمت إلي بنتها زوجاً , و أنجبت منها ولداً سميته زياداً !كم كنت في شوق إلى رؤية زياد الصغير , ولكني تذكرت غيرت أبي زياد على أم زياد الكبير , وأنا أقول لها : أمي ! و أنا طالب في المعهد . فما بالك بأم زياد الصغير التي لم أرها قط وأنا في هذه السن ؟! ثم ودعت أبي زياد , ولم أره إلاّ بعد نحو 25 سنة , وهو يدخل مسجد ابن عباس , متكئاً على شاب عملاق , ما شككت أنه زياد الثاني .
ومرت الأيام و اختلفت الأقدام .

عبد الله  رفيقنا الذي وجدته في مكتب سرايا التموين , والذي أزعجه وجودي هو ورئيسه (ي ) ألمحنا أنه عمل ما عمل و أدخل السجن بعد(ي) يبدوا أن مشكلته كانت شائكة , وبعد شهور عاد اليوم مطروداً من العمل , معدماً لا يجد ما يسد رمقه , فاقترب مني و اسر لي الحال , و كانت سريتي قد عين لها وكيلاً أسمه خلف الشمري , طلبت منه أن يجمع لي السرية , ومن يحب أن يشارك في السرية الأولى . فجمع من جمع , و تكلمت فيهم بحال زميلهم عبد الله , فتذمر بعضهم , ففرشنا عمامته , و أعان الله أن أرمي فيها شيئاً فتتابع أهل الشيم , فلممت عمامة أبي عابد , وأعطيتها إياه .
فغاب عني 25سنة , ثم رأيته في إحدى بلديات مكة المكرمة , فإذا الرجل قد لجأ إلى هنا و تزوج و أنجب , ومشى حاله .
لك الله يا أم الدنيا , كم رأينا من يذمك او يتناساك , فإذا ادلهمت الخطوب في وجهه لجأ إلى أحضانك , فأمن و أطمأن . حييت يا أم المذنبين .

ومرت الأيام , وكل شئ يسير إلى حيث ما وجه الله وقدر ,واطمأنت هذه الوحدة , فلا حوادث ولا خصومات , إلاّ ما لا يهم قرائي في هذا الملتقى ،حتى استفقت يوماً وتذكرت أن المدة المقررة لترقيتي اقتربت .

تزول الجبال الراسيات عن أصلها **** وتبقى حزازات النفوس كما هيا

وفي هذا اليوم تقدمت بعريضة أذكر قائدي (ج) الذي برق له الحظ فرقي – حسب النظام – إلى مرتبة
وكيل قائد (رائد) . أخذ العريضة مني وناولها (هـ– ش ) المسؤل عن الأوراق ..
في اليوم الثالث سألت (هـ ) عما حدث في عريضتي ؟ قال : محفوظة بأمر القائد . 
تقدمت للقائد أسأله ؟!قال : لم العجلة ؟ فتراجعت .

دعيت من السرية , فقيل لي : لك ضيف ! أسرعت إلى الضيف , فإذا هو من زملائي في الرتبة .
فإذا معه عريضة إلى وزير الدفاع , تقول : نحن الوكلاء نطلب تحويل مسمى رتبتنا إلى وكلاء حربيين . 
قلت : ولكنا لا زلنا نواباً ! قال : صدر أمر الترقية , وقد يوقع اليوم أو غداً !
لقد أسقط في يدي فقلت للزميل : لكني لا أظن أن أكون معهم .
قال : بلى الأمر لجميع النواب الكتاب , ولكني سأتأكد من صديقي فلان الذي أعمد القرار .

إذا لم يكن غير الأسنة مركب **"** فما حيلة المضطر إلا ركوبها

لبست بدلتي صباحاً , فإذا الباب يطرق , فإذا صديقي عبد الله الشمالي , يقول لي :اسمك ليس في قائمة المرقين ! 
قلت : وما العمل ؟ قال : تذهب الآن إلى الوزارة وتكتب عريضة تقدمها إلى العقيد مرزوق التركي , مدير الإمدادات والتموين . قلت : هذا هو الرأي !وصلنا إلى الوزارة , وكتبت العريضة وتقدمت بها إلى مرزوق .

فكتب عليها ( حطّه مع المرقين ) وأشار إلى مكتبه ! ذهبت بالعريضة إلى مدير المكتب . 
فلما نظر فيها تبسم , وقال : خلاص تمت الترقية !.
إدارة صحيحة بسيطة عادلة , لا مرجعية ولا تعقيد .

في اليوم الثالث جاء بريد الوزارة , وأخذ (هـ) يستلم المعاملات , وأنا أرمقه من طرف خفي .
فركز نظره على إحدى المعاملات , فأزاحها جانباً . ولما أكمل استلام المعاملات , تقدم إلى الرائد (ج) يحمل تلك المعاملة , وسرعان ما نظر (ج) إلي , وقال : ( رحت لمرزوق التركي ) ! قمت واقفاً وحييته , وقلت : نعم ! . قال لـ (هـ ) : سلمه المعاملة . 

تسلمت المعاملة , فإذا بها : يرقى ويعين مديراً لقسم الحركة في قصر الضيافة .
كان فتحاً ما حلمت به , وما هو إلا يوماً أو يومين فإذا بي أودع الوحدة التي قضيت فيها ثلاث سنوات .
قابلت الشيخ علي بن مرشود , وهو رجل قصيمي ,كان يعمل عداداً للنقود في المالية بمكة . 
فلما صدرت العملة الورقية , لم يبق لهؤلاء العدادين عمل في الوزارة فوزعوا على الوزارات الأخرى . 
وهذا الرجل أمي لا يوقع على معاملة إلا أن يشار له بالإصبع , ومع هذا هو مدير لمصلحة فيها أربع إدارات  كلها برأسها مثقفون !و لكنه كان رجلاً كريماً متسامحاً.

رحب ابن مرشود , وقال : فك الله عنك الضيق , 
فلعلك تخدمني في هؤلاء!.
فعرفت أن عملي ليس سهلاً , فقام معي إلى حوش خلف القصر, 
منه جانب مظلل, وفيه غرفتان : إحداهما مكتب من يرأس هذا العمل ,
والأخرى مكتب المعاملات , و مكتب مدير الحركة يفتح على ذلك الحوش
بما فيه القسم المظلل الذي تقف فيه السيارات .

نادى ابن مرشود العريف الوحيد هنا !فجاء فقال له : هذا مديركم , ثم انصرف , 
فطلبت من العريف أن يجمع كل منسوبي هذا الجناح،  فحضروا , فإذا هم ثلاثة موظفون مدنيون ,
وثلاثة مهندسون ( مصلحو السيارات ) وعريف وجنود حراسة , وسبعة سواقين .
لم احمل إلاّ هم السواقين لأنهم طبعوا على التمرد و كثرة الغياب .

ما إن تجمعت هذه الوحدة الصغيرة حتى قال أحد السواقين : هاه ! وش عندك ؟! فعرفت انه متمرد, فأردت أن أؤدب به البقية , فقلت له : قم واقفاً , فتلكأ , فنهرته , فقام , فنظرت إليه , وقلت : لك خصوصية دون الآخرين ؟! فلم يجب , فقال العريف : هذا سواق الشيخ – يعني ابن مرشود – فقلت : وإن كان .

وبعد البسملة و الحمد و الصلاة على سيد المرسلين , قلت : 

أولاً / عدم خروج أية سيارة من هذا الحوش إلاً بإذن خطي , وعلى حارس الباب تنفيذ هذا .

ثانياً / عدم مبيت أية سيارة خارج الوحدة ! 
ثم نظرت إلى العريف , فقلت : يوزعون ليلاً ويحضرون صباحاً بسيارة الونيت !
هبت همهمة , لم أعرها أي اهتمام .

ثالثاً / للعسكريين حصة صباحية تدريب أو صيانة , أو رياضة , وعلى العريف التنفيذ.

سألت العريف : هل توجد غرفة غير مشغولة ؟!
أجاب : نعم . فقلت : أنت وحارس خذا هذا السائق و ضعاه فيها موقوفاً إلى الأمر الأخير ,
ثم شكرت الجميع , و أمرتهم بالانصراف .

ذهبت إلى ابن مرشود في مكتبه , وقصصت عليه ما حدث و قال :عندي خبر , وبيض الله وجهك , وهؤلاء لا يديرهم مجامل ولا خامل .
قلت : واقترح أن تختار أي سائق غير هذا المتعالي ،قال : نعم , اختار الصبياني , فتم ! ثم سألت ابن مرشود :كيف جاءك الخبر ونحن في اجتماع ؟!
قال : الجندي فلان لم يحضر الاجتماع , وكان يسمع ما يدور من النافذة ! حنقت على العريف , كيف تصرف هذا التصرف , فلما عدت إلى مكتبي سألت العريف , فقال : ( والله هو طال عمرك قال أنه لا يريد الاجتماع )! حررت مذكرة لمحاسب الضيافة و وقعت من مدير الضيافة بحسم خمسة أيام من راتب العريف ! ،ومذكرة أخرى إلى مدير الضيافة بطلب نقل العريف و استبداله .

قضيت سبعة أشهر في قصر الضيافة , فصارت هذه الوحدة وحدة مستقيمة , لا غياب ولا تمرد, أمر و إطاعة , وهذا هو المنهج العسكري.

عدنا من حج عام 1375هـ , فإذا بتعميم قد صدر ينص على عقد دورة للوكلاء لتخريجهم ضباطاً , كان ذلك إثر اجتماع عقد في الوزارة لبحث مشكلة النقص في ملاك الضباط الذي يعرقل تطوير الجيش وتكثيره.
وأن هذه الدورة ستعقد في 1/1/1376هـ . وقيل أن قائد مدرسة المشاة – آنذاك – النقيب جواد علمدار قد عمّد ليقبل أي وكيل يأتي إليه , ولو من دون ترشيح قائده !

تقدمت إلى مدير الضيافة العسكرية أطلب ترشيحي لهذه الدورة . ولكن ابن مرشود رفض بإصرار , وقال أنا أرقيك هنا . قلت : قد تقدر على ترقيتي ترقية مدنية , لكن هذه الفرصة لا تعوض , قال : أترك الحكي , اللي نبي يسير !
إن كان ماشور الفتى من جلامه فأشوار خلق الله تدله وتغويهتذكرت قول هذا البدوي وأنا أخرج من مكتب ابن مرشود . وما أن وصلت إلى مكتبي حتى استدعيت سائق السيارة الأولدزموبيل , وقلت : إلى مدرسة المشاة , وهكذا صار .
كانت مدة الترقية بين وكيل إلى وكيل ضابط أربع سنوات , وهاهي تختصر نحو سنة وسبعة أشهر , فأي فرصة هذه ؟!.

كان قائد المدرسة : النقيب جواد مختار علمدار , كان هو وأخوان له أبناء ضابط تركي , وعندما قوض العرب النفوذ التركي على بلاد العرب , تخلف وانضم إلى الجيش العربي القسم الحجازي , ولما دخل الحجاز في طاعة ابن سعود , كان ضمن الجيش الموروث , فخرج أبناءه كلهم ضباطاً فهذا أحدهم .
تقدمت إلى جواد فأخبرته الخبر فما زاد على أن نادى الوكيل السامطي , وقال : ضم هذا الوكيل إلى الدورة!. أنزلت في خيمة مع ثلاثة وكلاء من الجوف ( جوف الحجاز )، كأنه نما إلى قيادة المدرسة بأن لي خبرة في تحرير الأوراق اليومية , فجاء الأمر بأن أكون كاتب التعداد اليومي , وشئون المتغيبين والمرضى ........الخ .

الضباط الإنقلابيون في مصر ما أن اطمأنوا على وضعهم , وتمكنوا من إدارة شئون بلادهم , حتى رأوا أن يزيحوا محمد نجيب واختاروا ذلك الشباب المتقد حماساً الخطيب الهادر , أو كما يقولون }محرك الجماهير{ ذلك هو جمال عبد الناصر , أول مشاريعه أن قرر بناء سد على النيل قرب مدينة أسوان , سمي السد العالي . فطلب من الغربيين تمويله فرفضوا . وكانت قناة السويس تستغلها شركة بريطانية فرنسية , وتدر مئات الملايين من الجنيهات , فسارع عبد الناصر فأممها واستغل دخلها لبناء السد , وغنى مغنيهم :آلو السد العالي زال آلو أممنا الأنال

 

في يوم 25/3/1376هـ تقدمت ثلاثة جيوش صوب القناة : الجيش البريطاني والجيش الفرنسي والعصابات الصهيونية , وقد سميت دولة إسرائيل .
إثر هذه الفاجعة تنادى العرب لغوث أرض الكنانة , وعقد مسؤلينا اجتماعاً بوزارة الدفاع , وكانت العقبة نقص الضباط , فقال جواد : أنا عندي 93 وكيلاً كلٌ منهم يصلح أن يكون ضابطاً. إذاً فرجت ! وهكذا صدر الأمر بترقية هؤلاء الوكلاء إلى وكلاء ضباط قادة فصائل !

منح من له أهل بالطائف إجازة أربع عشرة ساعة لتوديع أهله وترتيب أمورهم .
فذهبت أودع غيث وأمه , وأوصي عليهم الجار الكريم ( جهز الحربي )، كانت قوة اللواء الحادي عشر قد جُمعت في وادي الحـَــلـْـقة .

من ضواحي الطائف الشمالية – أصبحت اليوم حياً جميلاً منه – وفي الأول من شهر ربيع الآخر من سنة 1376هـ تحركت هذه القوة على شكل قوافل عسكرية يتلو بعضها بعضاً ,
كان الطريق : الطائف – السيل الكبير – مكة المكرمة – المدينة المنورة – تبوك – عــَــمّــان .
هذه الرحلة الطويلة فصلتها في مذكراتي : ( حصاد الأيام ( , 
ولكني هنا سأتي على مواقف وحوادث حدثت في هذا السفر , فيها عبرلمن اعتبر , أو ترويح عن النفس , وبالتالي يكون مجموعها 
صورة اجتماعية .
أول هذه المواقف : إن شعبنا كان فقيراً بادية وحاضرة , حتى أغنياؤنا كانغناهم نسبياً , حتى إنهم اعتبروا ( اللــّــك ) – معياراً للغنى فتسمعهم يقولون : فلان ملكـّــك أي لديه لكوك من المال
واللك : أربعون ألفاً من النقد . 
أما المليون والبليون والمليار , وما هنالك , فنأخذها في درس الحساب فقط .
لذا كان لطلب المعاش طرقاَ , كمعلم البناء , أو عامله , أو التسبب في شئ
ومن البراهين على ما أقول , إن إحدى المهن التي كانت تكتب في حفيظة النفوس) : متسبب)  .

زميلنا فلان تخرج معنا , وليس في قومه من حصل مثله ! وعندما وصلنا إلى ضواحي جدة وسمع به جماعته فرحوا به فأقاموا له وليمة , ويبدو أنه ذهب إليهم ببزته العسكرية ليريهم شأنه
بينما كانوا هم حــُــمالاً وعمالاً , يفترشون الأرض ويلتحفون السماء .

في الصباح التالي حدثنا زميلنا عبد اللطيف الجوفي , قائلاً : ما سمعت فلاناً ما قال ؟!
قلت : منك أسمع ! قال , يقول : اجتمع عندي البارحة جماعتيوعندما حضروا فإذا كل واحد منهم على كتفه حبل ( حمــّــال ) وإذا أين أنا وأين هم ؟! 
قلت : هو قال ذلك ؟ قال : أي والله ! 
قلت : إذاَ لن يفلح أبداَ , فقد ورد في الحديث عن سيد ولد آدم : 
( حق على الله , ما تعالى عليه أحد إلا وضعه ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

قضينا في تلك الرحلة نحو سنتين ثم عدنا وعين فلاناً هذا قائد لمركز الشيخ حُـميد على الشاطئ الشرقي من خليج العقبة , ومعه عدد من الجنود وذات يوم أقبلت طائرة , يقودها سائح غربي وزوجته , فحدث بها خلل فاضطر ذلك السائح أن يهبط بها في فضاء أمام ذلك المخفر .
فتهيأ فلان و أمر جنود بالقبض على الطيار واعتقاله وأبرق للقيادة في تبوك : أسقطت طائرة إسرائيلية وأسرنا قائدها ! .

وكان وقد الجلبة الناصرية كل يريد أن يسبق إلى عمل ينال به من العدو , ليكسب وطنية
وأنه جاء بما لم تأت به الأوائل !
تسرعت القيادة , وأبرقت لوزارة الدفاع : أسقطنا طائرة إسرائيل !وسرب الخبر للإذاعة والصحف – لم يكن لنا تلفزيوناً آنذاك – وتناقلت وسائل الإعلام العربية هذا الخبر , فصار عالمياً . 

وأرسل الطيار وزوجته على سيارة عسكرية مكشوفة وأرض وعرة لمسافة 250 كيلاً 
وأجريت التحقيقات , وظهرت ندامة التسرع , وكانت فضيحة مدوية لم تتفاداها الدولة إلاّ بطرد هذا الخائب المتعالي : ( تعالى على أهله وكفر بنعمة ربه فوضعه ) .

رأيت فلاناً هذا يقاد في شوارع تبوك , فسألت عن السبب ؟فقيل : ظل يبكي وينوح في حزن شديد حتى فقد بصره .
ولو من الله عليه بالعافية وكان على كتفه حبل , أي الحالين كان أفضل ؟ اللهم لا شماته 

وصلنا إلى المدينة فعسكرنا في ناحية سلطلنة ,فأراد أحد المتغطرسين المعجبين بأنفسهم أن يزيزور الحبيب ,فذهب إلى هناك في سيارة جيب , وفي عودته ضايقته امرأة مسكينة تحمل على كتفها 
مرفأ , لعل فيه حصيلة طلبها طول النهار .

زاحمت السيارة في شارع العَـيْـنِية – بدون قصد لا شك - فأغلظ لها وتفل عليها .
وبعد أن مضى هود من الليل استيقظنا على أصوات وجلبة ,فأسرع بعض محبي الإطلاع لإجتلاء الخبر , فما رأوا؟!قالوا : إن ذلك الضابط ثار فجأة , فصار يضرب من حوله ويمزق ثيابه , ويشتم كل من يرى , فاستدعيت الشرطة العسكرية(البوليس).

ألقت الشرطة العسكرية القبض عليه وكتفت يديه وراء ظهره , واقتادته للحفاظ عليه . 

وفي الصباح حملته طائرة عسكرية إلى الطائف , فأدخل مستشفى شهار ( قيل ) .
ثم رؤي بعد ذلك يسير في شوارع مكة يضحك لكل الناس .
لك الله يا أمنا الحبيبة ! يا ملجأ كل من فقد عزه.

الشيخ فرحان الأيدى شيخ قبيلة ولد علي من عنزة ما أن سمع بمسير هذه القوة حتى وفد على القيادة ,ودعاها إلى وليمة يقيمها لهذه القوة في هُجرته ( حفيرة الأيدى).

وفي منتصف شهر ربيع الثاني تحركنا من المدينةوفي اليوم الثاني كان غداءنا في حفيرة الآيدى , بين خيبر وتيماء ، كانوا يسكنون البيوت الشعر المسماة بالمقارى يسع البيت منها نحو خمسين نفساً , فبنى الشيخ منها عدداً كبيراً وذبح من الخراف عشرات ورأيت شباب عنزة عاصبين عمائمهم على رؤسهم , وهذا يذبح وذاك يسلخ وآخر يوقد على قدر , ومجموعة يصبون القهوة والماء للضيوف . 
هكذا فعل كل الناس إلى عهد ليس بعيداًويسرع مثل هؤلاء القوم إلى ضيف كبيرهم بتقديم كل المساعدات فهذا يقود خروفاً , وآخر يأتي بالحطب , وغيره يأتي بقرب الماء وهكذا .

ثم أن القيادة رأت أن تنأ بالجنود تخفيفاً عن المضيّف وكان الضباط وكبار العاملين يقرب عددهم من ( 150) شخصاً .

كانت ضيافة الآيدى لم يعمل مثلها ولم يعرضها أحد من مشايخ القبائل الآخرين ،إلاّ ابن مثقال شيخ مشايخ بني صخر في الأردن , وجاءت ضيافة عينية كبيرة من القصور الملكية في عمان .

كانت هذه القوة – مع كل احترامي لقادتها تسير وكأنها في نزهة فرغم المعارك المحتدمة حول القنال
والمعمعة الإعلامية التي تهولها صوت العرب . 
أقول : رغم هذا كله كنا إذا حللنا مدينة أقمنا إقامة من لا ينتظر رحيله .

 

وفي هذه البلدة الصحراوية لم يفد إلينا أحد 
فأميرها الذي جعل منها دولة مستقلة قتل قبل نحو سبع سنين وأرسل إليها من تبوك من يضبط شئونها ؛ ولكنه كان في حرب نفسية مع أهلها , وأهلها شاعرون بالضيم لفقدهم استقلالهم !
ومع هذا أقمنا , وكأننا تحولنا إلى قوة ضغط على التيماويين .

استفدت أنا من التجول في هذه البلدة والوقوف على بئر هدّاج العجيبة 
والتي لو لاها ما كانت تيماء .

مازلنا في شهر ربيع الثاني 1376هـ = كانون الأول ديسمبر 1956م .
فتحركنا باتجاه تبوك , على طريق الشام الذي لم يعبد بعد, وفي اليوم الثاني وصلنا إلى تبوك.
كانت تبوك تتألف من بيوتات يعدها الناظر , فلا شوارع ولا أسواق ,ولكن فيها بضع دكاكين كل ما فيها على الأرض , وهذا الجندي الحجازي اشتهى الخبز , فكانوا يتعاقدون مع أصحاب تلك الدكاكين 
بأن يخبزوا لهم في بيوتهم خبزاً عادياً لا يمت لخبز أفران الطائف ومكة بصلة . وكأن أقدامنا وطأت تبوك فأثارت فيها غباء النهضة ,فهذا الحدث قبل نيف وخمسين سنة , وقد لحقت اليوم 
بمدن الدرجة الثانية , ولعلها لحقت بالدرجة الأولى .

أحمد : جندي أسود البشرة من جيزان , كان في سريتي , وكان مرحاً مزاحاً ,فاتخذته مراسلاتي , وكان إذا سمع طرفة أو نحوها , قال : والله هذي فضيحة ! ، فسماه الجنود ( أحمد فضيحة ) !
وذات يوم أحفضني , فناديت الوكيل , وقلت له : جاز أحمد بساعتين خفارة , وبعد فرحوا بها , لأنه لا يأخذ أوامره إلاّ مني , وربما زها بنفسه عليهم !

أخرت خفارة أحمد إلى ما بعد العشاء فعين له مكان الخفارة , ولأننا في حالة حرب كانت الخفارات مشددة . 
وفي كل مكان وزمان تجد من يعمل كل ما يخطر على بالك , فيظهر فيهمالجاسوس وبائع الممنوعات , وغير ذلك . وكان أحمد يقظاً في خفارته فرأى شيئاً يتحرك في الظلام , وكنا جلوساً أمام خيمتنا فإذا
بصوت أحمد يزعق ويهدد , يقول: من ساري الليل ؟ تكلم سأطلق النار ,كرر ذلك في انزعاج ظاهر وحرك البندقية تحريك التعبئة , وهو يقسم أنيطلق النار , فأسرعنا أنا والزميل رافع العمري , وكان أحمد في جهد لم يشعر بوجودنا فأخذت وضع الامتداد عن يمينه , وكان قد برك على الأرض استعداد لإطلاق النار فوضعت يدي على ركبته , أشير إليه بالتمهل , ولكن أحمد ما كان يشعر بأحد حوله .

نعم , سلم الله بأن ساري الليل تكلم ! فما قال ؟ قال : ( برف ) ! فما راعني إلا وحشد خلفنا
ينفجرون ضاحكين , لقد تجمعوا متحسبين لأي طارئ , وضحكنا كلنا وربتت على كتف أحمد , قلت : هذه فضيحة أخرى . 

ولم تفت هذه الفضيحة هؤلاء الجنود المتغربين الذين يبحثون عن كل ما يضحكهم 
فكانوا كلما رأوا حماراً , قالوا : هذا حمار أحمد فضيحة .

مكثنا في تبوك مكوث من لا عمل له ولم يأت لغرض , وتدخلت الدول الكبرى وانسحبت الجيوش الغازية , ذلك الانسحاب المخزي , ولكنه ليس أمام ضربات العرب بل أمام الإنذارات الروسية التي توجها إنذار أمريكي فعل في الغزاة ( كفعل يزيد في آل النبي )! . 


ثم رحلنا باتجاه عمان كان برد شهر كانون قارساً , وجل جنودنا تهاميون لا يطيقون البرد . 
وبتنا ليلتنا الأولى في (بطن الغول ) , وكانت تدعى عقبة الحجاز .

كأن بني صهيون علموا بمسيرنا ، فتكاثف وجود الطائرات في سماء جنوب الأردن ، مما دعانا إلى تشديد الحراسات ، وتكثيف الدوريات ولكن البرد كان عائقاً شديداً للهمم ، فكانت خصومات
وعقوبات بين المناوبين والحرّاس ، ولكن الليلة مضت بسلام ، وكلٌّ كان مقدراً شعور زميله .

أصبحنا وأصبح الملك لله ، لعله كان يوم 15 جمادى الثانية فواصلنا سيرنا في صحراء الأردن ، وكان سماؤنا مكشوفاً ، لا طائرات ، ولا مضادات ،وما معنا من مضادات للطائرات كانت من مخلفات الحرب الكونية الثانية ، مثل : رشاش عيار50 ، وقليل من مدافع مضادة قصيرة المدى ، ومرة أخرى سلّم الله .
فأصبحت السماء ولا طائرة فيها ، وأنه ليخيل إليك أن طائرات العدوأتعبت من سهر البارحة فأخلدت إلى الراحة .

وصلنا الى مدينة معان ( جوهرة الصحراء ) ، وشق الجيش المدينة ، فخرج المعانين رجالاً ونساءً ، وشيباً وشبّاناً ، وصفقوا كثيراً ، وهم يرددون : عاش العرب ، عاش العرب .

مما رفع من معنوياتنا كثيراً ، وشعرنا بأننا في الحجاز وقيل لنا أن وجهاء معان وشيوخ قبائله تعرضوا للقيادة وألحو عليهم في الدعوة للعشاء . ولكننا واصلنا سيرنا إلى عُنيزة .

 

عُنيزة : محطة للقطار شمال معان ، دخلناها في الظلام ، مع بزوغ قمر ليس ساطعاً ، فأنخنا فيها في ليلة باردة كليلة بطن الغول ، ولكن الفارق هنا أن أزيز الطائرات لم يسمع ، وقيل :أن قيادتنا اتصلت بالحكومة ليلة البارحة وأخبرت بما يجري ، وأن الحكومة _ فيما يبدو _ اتصلت بمن غرس هذه الغرسة الشيطانية ، والذي يسقيها ويحميها ، فشكت إليه ماحدث ، وأن الحامي نهى المحمى عن التعرض للأصدقاء ! فكف عن اللعب بالنار ، وبتنا ليلة آمنة مريحة ، وكل يتشوق للوصول إلى عمان الشماء .

زيزية بلدة كانت خارج عمان على درب الحجاز ، لقبيلة بني صخر
تُعد أراضيها من أغنى أراضي البلقاء في إنتاج القمح الحبحب ،
وأهلها آل مثقال شيوخ بني صخر ، القبيلة الشهيرة ذات التأريخ التليد ، والمجد المؤثل .
وفيها حططنا رحالنا ، والثلج يتساقط علينا ، ونمنا في العراء ، ووزع علينا الحطب .
وقيل _ آنذاك _ أن من تهيأت له الفرص استفاد من مصيبتنا هذه .( مصائب قوم عند قوم فوائد) !

عمان الشماء , عمان العرب , كنا نعرف ذلك كله , ولكن الذي ما كنا نعرفه , هو هذا البذخ الحضاري الذي وصلت إليه , فالشوارع كانت مخططة تخطيطاً رائعاً , ومكتظة بالسيارات , حتى قالوا :عمّان قراش سيارات , وفيها معارض , ووصل الهاتف إلى معظم المباني .

فذات يوم قال لي صالح الزهراني : تعال معي نزور رفيقاً لي . وهكذا صار , وفي وسط عمان ,
عند التقاء وادي السير بوادي رأس العين وجدنا مقهى واسعاً يديره رجل زهراني , وأمامه طاولة عليها جهاز هاتف , فوجئنا بمثل هذا ؟! 
فعندنا لا يملك هاتفاً إلا كبار المسؤلين , وكأن الرجل كان ينظر إلينا باستصغارفربعنا هنا ينظرون إلينا كأننا بدو انكلخنا من الصحراء , بل يجاهروننا بمثل ذلك .

فكان الملازم صالح يقول للرجل :أبشرك أخواتك وعماتك بخير , فلا يرد عليه وكأنه لا يسمعه .
أصبحنا بعد تلك الليلة الباردة , واستخدمنا الجنود في بناء مخيم مؤقت يقينا ذلك الزمهرير , وهم يفرون إلى داخل عمان .

أخوتنا الأرادنة انبهروا بنا يوم الجمعة , ففي الجامع الحسيني يوم الجمعة كنت ترى العسكريين يشكلون الأغلبية الساحقةمن المصلين , وقاريء القرآن . ومعروف أن غالب البلدان الإسلامية لا يهتم جنودها بالمساجد .

تكوين عمان الجغرافي يشبه تكوين مكة المكرمة تماماً مع حفظ الفارق القدسي , فهي تتكون من واديين رئيسين , هما وادي السير ورأس العين تلتقيان في ( الساحة الهاشمية) التي جردت من البنيان , وفي طرف هذه الساحة يقع الجامع الحسيني الكبير الذي بناه الأمير عبد الله بن الحسين عام 1342هـ = 1922م وتتكون المدينة بعد ذلك من سبعة أجبل , هي : جبل التاج , عليه القصور الملكية , وجبل عمّان , أجمل جبال عمان صعدْه الطريق ثم يسير في قـَــرى مستوفية ثلاثة دوارات , وقد زادت اليوم عن سبعة . 

ثم جبل الحسين , وجبل اللويبدة , وجبل القلعة , وجبل النصر , وجبل الجوفة ، ينحدر الغور الأردني من الشمال إلى الجنوب وفيه أخفض نقطة في العالم حيث يبلغ انخفاضها (400) متر تحت سطح البحر ! 

ولذا فهو أدفأ مكاناً بين جبال تكسوها الثلوج في الشتاء , ولذا فهو مجلبة للسياح وقت الشتاء .
رأت القيادة أن هؤلاء التهاميين لا يصلح لهم أفضل من هذا المشتى فصدر الأمر بانتقالنا إليه , وفي الطرف اليماني من شونة ابن عدوان عسكرنا .
و به قضينا شتاء عام 1377هـ = 1957م . ولم يعد للمهمة التي أتينا من أجلها ذكر ! قضينا شتاءنا في الغور الأردني , في مكان قد يعرق فيه الإنسان في منتصف الليل , وما هل شهر آذار – مارس سنة 1957م = 1377هـ - حتى شعر الناس بحرارة الجو , فجاءت الأوامر بإلإنتقال إلى بلدة المفرق شرق عمان على سبعين كيلاً, نعم كانت بلدة تشبه القرية , ولكنها صارت اليوم مدينة فيها
جامعة وجوامع وفنادق وبنوك , وعمران كثير , وبظاهر البلدة اليمانيحيث أنشئت اليوم جامعة آل البيت , خيمنا , وهبت علينا زوابع مزعجة ،عطلت التدريب , ومنعت الطبخ وحتى شرب الماء.
في هذا الوقت بالذات زارنا الملك سعود , وأقيم له سرادق , وحفل غداء .

 

ونحن في بلادنا ما كنا نعرف أن الطعام يؤكل على أنغام الموسيقى !وما أن قدم الطعام حتى صدحت ( ما يسمونه موسيقى الطعام ) 
فأسرعنا نحن السعوديين نرفع أيدينا بالتحية ! فإذا ضابط الاستخباراتيخرج علينا من السرادق وهو يقول : ما هو سلام ما هو سلام !ما لبثنا أن صدرت الينا الأوامر بالإنتقال إلى بلدة صويلح , 
بلدة من المصائف غرب عمّان على نحو 25 كيلاً , ويبدو اليوم أن عمران عمان وصل إليها , قضينا صيف عام 1377هـ هناك في جو معتدل مناسب . 

منذ أن وصلنا إلى الأردن كان الزملاء يتنافسون على القيادة : كبيرها وصغيرها .
وكنت أتشوف إلى الدورات , فما كان يجمعنا ركن عمليات اللواء ,ثم يقول : الجيش العربي خصص لنا كذا مقعد من دورة كذا ,فمن يرغب حتى تراني رافعاً يدي بالموافقة .

وهكذا قضيت في تلك المدة ( أقل من سنتين ) ثلاث دورات .
كانت دورة الإدارة في معسكر العبدلي , فتعرفت على شاب يماثلني في السن والرتبة ,
وتوطدت الصداقة بيننا , كان اسمه ( عبد الجبار جبر محسن ) وذات عشي كنا نتمشى في شارع عمان العام ,فإذا بلوحة كتب عليها ( معهد دار عمّان العالي ) كان مما يدرسه فن الصحافة ,
كان صاحبه : محمد أمين صالحة , وعرفت الرجل كان جئ به لتنظيم المالية السعودية , 
استهوتني كلمة ( فن الصحافة ) فدخلنا المبنى , وفي البهو كانت الاستعلامات فكانت خلاصة زياراتنا أن سجلت نفسي في هذا الفن ودفعت الرسم ,و واصلت الدراسة من خارج المعهد , وفي 1/ 9 / 1958 م تسلمت شهادة ( دبلوم في فن الصحافة ) العوجاء: قرية على الشاطئ الغربي لنهر الأردن , بين أريحا ونابلس .

 

قضينا الصيف في صويلح , صيف من لاهم له ولا غرض ثم تحولنا إلىقرية العوجاء لقضاء شتاء سنة 1377هـ = 1958م.

كان مشتانا في السنة الماضية في شونة بن عدوان أفضل في أمور كثيرة ولكن القيادة اختلفت مع أهل الأرض مما حدى بها إلى البحث عن مكان آخر .

عندما وصلنا إلى العوجاء أسكنا أنا وقريبي الملازم مخلد أهلنا في بيت ( فلة) تملكه امرأة 
وكنت أدفع إيجارها شهرياً , فلما قاربت شهور الشتاء , وعرفت أنا راحلون مكرت ومكر الله بها . 
فذات مساء طرق بابنا رجل عرّف نفسه أنه المحامي فلان وكيل السيدة مالكة المسكن , وأنها تطالبنا بإيجار ثلاثة أشهر ! فوجئت بهذا الطلب فالسيدة كانت تسكن بجوارنا , وكانت تجالسنا , وتقبض الأجار كل شهر . 
فقلت للمحامي : دفعنا لها . قال : هي تقول غير هذا . 
قلت : تدعوها إلى هنا أو نذهب إليها ! قال: انتقلت إلى نابلس .
قلت : نذهب إليها هناك . قال : آخذ منها موعداً.
( **** ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين **** ) عاد المحامي بعد مدة وقال : لا ترغب المقابلة , وتطلب مني أن أقيم عليك دعوى في المحكمة أو تكون لديك سندات قبض من هذه السيدة . ثم افترقنا وخفي ذكرهم ( وكفا الله المؤمنون القتال )الملك حسين بن طلال كان طيلة بقائنا في الأردن يشمل القوات السعودية بكل رعاية وبعد عيد شوال سنة 1377هـ فاجأنا بزيارة ولم يـُـقـَــم له سرادق واستغربنا ذلك ووضع في خيمة ونودي على من يريد السلام عليه كان معه الوزير سليمان طوقان من أهل نابلس , ورئيس الديوان الملكي , بهجة التلهوني وحشد منهم مصور جلالة الملك , الذي أخذ لي صورة وأنا أسلم على جلالته ثم نودي لتوزيع الأوسمة على الضباط , فجعلت بتسلسل الرتب , فوصلت إلى ملازم أول.

وخاض الناس , فمن قائل : إنها زيارة عيد , وقائل إنها لتوديع هذه القوات وقد شاع أمر انسحابها 
لتتابع أحداث هذا العام .
كان الشباب يتلهفون على قيام وحدة عربية , أما أصحاب القراروالمستفيدون من هذه التجزئة فمنافعهم خارج إطار أحلامنا .

في هذه السنة 1377هـ = 1958 م توصل السوريون والمصريون إلى اتفاق وحدة تضم سورية ومصر وسموا ذلك ( الجمهورية العربية المتحدة ) 
وكان رئيس سورية شكري القوتلي تنازل لعبد الناصر عن الرئاسة طوعاً فأطلق عليه اسم ( المواطن العربي الأول ) وكانت إذاعة عمان تتندر بهذا .

هذه الوحدة أحدثت هزة شديدة في كل العالم العربي , ولكن الرؤساء كانوا يجاملونخوفاً من ضجيج صوت العرب وسلاطة لسان عبد الناصر .
أمام هذا الحدث سارعت مملكتا الأردن والعراق , وبعد مدة وجيزة بإنشاء الاتحاد العربيالذي كان وقعه ربما أشد من سابقه وتناحرة الوحدتان .

ما أن تم الاتحاد العربي حتى اتسعت الهوة بين الأردن وجيرانه ووعدت العراق بإرسال قوة تقوم مقام قوة السعودية .

بناء على كل ما تقدم صدرت الأوامر بانسحابنا في أواخر شهر شوال 1377هـ, وأعطى أصحاب العوائل كل عائلة سيارة من ناقلات الجنود , كان عدداً منا قد تزوجوا أردنيات , فحمل بعضهم أهله في هذه الشاحنات , التي لا تصلح الاّ لنقل الجنود , أما البعض فقد أخر زوجته عند أهلها ليعود ينقلها بالطائرة .

وقد رأيت أحدهم بعد عشرين سنة جاء ليزوج ابنته أحد أبناء قريتها !وعندما دخلنا المملكة أنزلنا في (حقل) وهي بلدة على الجانب الشرقي من خليج العقبة , وجاء دوري بسريتي في وادي الشـُّـريـْح : لصيق مدينة العقبة من الجنوب .

وعندما عدلت الحدود دخل في المملكة الأردنية الهاشمية .

الفرقة التي شكلت بقيادة عبد الكريم , كانت تتحضر قرب بغداد للسفر إلى حيث كنا نرابط . ولكن كما تقول أمثالنا ( هنا حج أقرب من سفر )!
فعدلت عن ذلك السفر , وداهمت قصر الزهور في الليل , وفي الصباح أبادت الأسرة الهاشمية بنسائها وأطفالها وحتى خدمها !

وتزعم قاسم وزارة الدفاع وضم العراق اليها . كان الناس يعتقدون أنه ليس بين العراق وانضمامه إلى الجمهورية العربية المتحدة الاّ ازاحة المملكة منه . وبهذه الجائحة ضيق جيران الأردن عليه الخناق , فقـُـطِع عنه البترول , وتقدمت القوات السورية إلى حدود الأردن الشمالية , وكان اليهود يتحينون الفرص للإنقضاض على القدس التي عجزوا عن احتلالها عام 1368هـ= 1948م .وحشدت قوات الهجانة حول القدس . وأصبح الأردن ( في أضيق من ثقب إبرة )!

خلال مدة وجيزة حدث للأردن ثلاث انفرجات  :
1) أصبح الناس فإذا صوت أحمد سعيد يلعلع من صوت العرب: أسم العـِــراء ! أسم العراء ! وشبت الحرب الباردة بين الدولتين الجمهورية , والعراق ، فحدث للأردن انفراج على الحدود الشرقية .

2) اجتمع مجلس الأمة الأردني , أعيان ونواب , وقرروا الاستنجاد ببريطانية .
ونزل جنود المظلات البريطانية في مطار عمان , وأخذت الطائرات الحربية البريطانية تجوب حدود كل الدول المجاورة , ولا أحد يهش و لا ينش !

3) رأى بطل العروبة ورائد الوحدة العربية أن الأمر أخذ يفلت من يديه فتحرك هو ومساعده عبدالحليم عامر , فأخذا يطفئان ما أشعلا , فسحبت القوات السورية من الحدود , وأعيد ضخ البترول إلى الأردن , فعاد الأمن للأردن , وتوارت عصايات (الهاجاناة) وكأننا نقول :هلاّ خرجت إلى نعامة في الوغا أم كان قلبك في جناحي طائر 
ثم ذهبت قوات بريطانية .

 

أمضى قاسم العراق ما أمضى ثم انقلب عليه رفاق السلاح ورفاق الهدف فقتلوه , وقتلوا السواد الأكبر من مؤيديه , وما لبث من قتله أن قتل , وظل زعماء التحرير يقتل بعضهم بعضاً حتى سلموا الرافدين وأرضها وأهلها إلى أمريكا . أما جمال عبد الناصر فانقلب عليه أحباب الأمس وطردوا كل المصريين من سورية وعادت جمهورية مستقلة ,وحتى يعوض هذه الإخفاقات أرسل جيشه إلى اليمن , فكانوا يقتلون هناك قتل الشياه , وكنت يومها هناك .
ثم أراد أن يغطي كل هذه الأفشال فتحرش ببني صهيون ومن وراءهم , فاحتلوا سيناء بكبرها الذي يعادل ثلث مصر , ووضعوا أقدامهم في ماء القناة , ومات والبلاد العربية في حال أسوأ مما كانت عليه عندما جاءها .

الشريح: وادٍ ينقض من جبال العقبة الجنوبية , وكان يسير في داخل الحدود السعودية , ماراً قريباً من مدينة العقبة , ميناء المملكة الأردنية الهاشمية , حتى يصب في خليج العقبة من ضفته الشرقية . 
ومن عجائب هذا المكان أنك وأنت عند مفيض وادي الشريح في البحر تنظر إلى أراضي أربع دول ,
كل دولة فيها يمكنك أن ترى السائر على أرضها .
فأنت واقف في المملكة العربية السعودية متجه – مثلاً – إلى الغرب , فترى العقبة في الأردن على يمينك, وغصيبة اليهود أمامك في قرية أم رشرش, وهي قرية كانت لقبيلة العمران من الحويطات ,
وكانت من إمارة شرق الأردن حين تأسست .

ثم أغار عليها الصهاينة ليتخذوا منها ميناء لهم يتصلون بواسطته مع الشرق .
والدولة الرابعة : هي مصر , وهذا هو طرف سيناء الشرقي ,وهذه قرية طابة ننظر إليها أمامنا تلي أم رشرش التي سماها اليهود إيلات , وسموا الخليج خليج إلات .

أرأيت في العالم كله مثل هذه البعزقة ؟! وكأن دول هذه البقعة الصغيرة قد قنع كل منهم بما عنده,
وباتفاق أو بغيره ظلت هذه البقعة ساكنة منسية من العالم , لا تكاد تسمع أو تقرأ لها خبراً . 

ولا شك أن كل جار كان يتمنى لو يضم حصة جاره إلى حصته , وربما حصص كل الجيران ,
وفي منتصف العقد التاسع من القرن الرابع عشر عُدّلت الحدود بين الأردن والسعودية فدخل
الشريح وجزء لا بأس به من الساحل إلى الأردن كتسوية لمشاكل قديمة , أما القسم المصري فقد أغارت عليه عصابات بني صهيون فاستولت على كلسيناء – كما تقدم – فيما سمى حرب 67=86هـ .
سمعت هذا وأنا على حدود اليمن في مواجهة أزمة السلال .

قضينا بقية عام 1377هـ وعيدنا في الشريح عيد الأضحى ,وبعض عام 1378هـ ثم جاءت الأوامر بانتقالنا إلى تبوك .
ويبدو أن هذه القوة كانت قد أتعبت , فخيم الركود على هذه المنطقة سنوات حتى حركتها تلك العملية 
التي قام بها السلال في اليمن وقضى فيها على المملكة المتوكلية هناك واستنجد بالجيش المصري الذي سارع إلى دخول اليمن كما المحنا سابقاً , وأخذت الطائرات المصرية تشن غاراتها علينا كل صباح , ولكن حصاد هذه الأعمال كان احتلال اليهود سيناء والجانب الشرقي من القناة بعد هزيمة الجيش المصري .

في 1/6/1383هـ اشتركت بدورة عسكرية تأسيسية في الطائف , وتخرجت منها في 23/9/138هـ 
كانت بالنسبة لي ذات فوائد , منها : تحريك ذاك الركود الذي خيم علينا في تبوك , ومنها قضاء شهور في الطائف المأنوس , الذي لنا فيه من الذكريات ما لا ينسى !  وتجديد صداقات الشباب هناك , وفي عودتي إلى تبوك احتفى بي عدد غير قليل من الزملاء والمحبين , مما كان يخفف عنا وطأة الاغتراب , وسموم المنافسات ! .

من العقد السادس من القرن الرابع عشر , بدأ تطوير جيشنا يأخذ أطواراً حثيثة متلاحقة 
فأسست مؤسسات مرموقة , مثل المدارس التأسيسية لصغار الضباط , والمتقدمة لكبارهم 
وأسست كلية الأركان العامة , ومدرسة الضباط العظام . ثم جاء دور اللغة والمعارف المدنية 
فأسست مدرسة اللغات التي تطورت إلى معهد اللغات , وصارت تعقد دوراتها سنوياً .

 

وفي يوم من أيام شهر ربيع الثاني سنة 1384هـ , جاء تعميم بخبر عن فتح دورات للغات باسم الدورة رقم 7 , فترشحت لهذه الدورة وجاءت الموافقة .

كنت قد اشتريت سيارة جيب من مخلفات الجيش كفتُّ أسرتي فيه وأُعْطِيتُ شاحنة نقلت أثاثنا , ثم يممنا الرياض تصرف الواثق من حصول كل ما يرغب ! وفي هذا اليوم 25/4/1384هـ بكرت إلى المدرسة تبكير الواثق من القبول والنجاح.

عند باب المدرسة الداخلي كان عدد من الضباط يتحدثون  فسلمت عليهم , فإذا أحدهم من أهل الحوطة ما رأيته ولا رآني قبل هذه الساعة , فقال: ( أنت جاي تبي الدورة ؟ ! قلت : إن شاء الله ! قال : والله ما أظنك من أهلها ! , ثم أردف : عساك ما جبت أهلك وعفشك ؟ قلت : بلى . قال: والله أخطيت ).
دهشت لقوله وشغلت عن الجواب بالتفكير في الداعي إلى هذا الحكم ! فانصرفت إلى داخل المدرسة فوجدت كبير المعلمين , الذي استقبلني بالبشر قال : هذا جدول يبين خطوات امتحان القبول يوم 29/4/1384هـ من السابعة إلى التاسعة , وتبدأ الدورة في 1/5/1384هـ.

في اليوم الموعود أدخلنا بهواً في كراسي كثير وفيه مشرفون كثيرون , ووزعت الأسئلة 
فرأيت بعض الوجوه قد اكفهرت , وتحولت الابتسامات إلى عبوس .

ونودي : أن نتائج الامتحان ستعلق غداً عند الباب , ومن وجد اسمه في الكشف يدخل البهو رقم 3. 
ولا تسأل عن تلك الليلة وطولها ووساوسها !

ازدحم الراجون فضل الله الراغبون في النجاح ,ودسست نفسي بينهم , فإذا ترتيبي (11) . تراجعت وحمدت الله , ثم هرولت إلى رقم (13)  فإذا الكراسي مرقمه , فتقدمت إلى رقم (11) , وجلست , نظر إلي بعض من يعرفني , فأشاروا بالتحية !
وفي أول استراحة عرفت أن ذاك المتعجرف , وسميه - ما شئت – لم يكن من المقبولين ! 
ويشهد الله أني لم اشمت به ولم أفرح لإخفاقه , ولكن تسربت إلى ذهني العبرة من إنسان بالأمس
يشمخ بأنفه ويعنف الناس قبل أن يرى النتائج , ثم تدور عليه دائرة سوءه فتنزله حيث أنزل هو من لا يحمل حقداً ولا ضغينة .

بدأت الدراسة في دورتنا في يوم 1/5/1384هـ و الكل مشغول في التحصيل و المثابرة عليه , وما كنت ألتقي بأحد من الزملاء الا في المدرسة !

حضرنا إلى المدرسة ذات يوم , فإذا الطلبة يصيحون (كُوِزّ...كُوِزَ) سألنا عن كوز هذه , قالوا : اختبار مفاجئ. وجرى الاختبار , وجئنا صباح اليوم التالي , وإذا التلاميذ مجتمعون حول لوحة النتائج .

فإذا برجل كبير الرتبة مملوءاً صحة , فإذا هو يفج المجتمعين , وهو يقول : عاتق وش جاب... عاتق وش جاب ؟! فنظر إلى اللوحة , ثم انصرف .
سألت أحد الزملاء , من هذا ؟! قال : هذا فلان من بيت فلان .
فإذا الرجل نسيب حسيب , وأكبر أهل الدورة رتبة وجسماً وسناً , ولكني لم ألحظ وجوده بيننا طيلة ما مضى من الدورة , ولكن أحد الزملاء سأل هذا الرجل , وسمه – مثلاً – (ش) لماذا السؤال عن عاتق خاصة ؟ قال : لا , أنا ما يهمني غير عاتق ! أحد الزملاء علق : ( وراء الأكمة ماوراؤها) ! ظل (ش) هذا ديدنه, طوال الدورة.

فرض ش رغباته حتى على معلمي الدورة , وكان المعلمون يلحون علينا أن نستفيد من هذه المدة لترسيخ المعلومات التي نتلقاها وأن تضاعف جهودنا في التحصيل .

اقترح كبير المعلمين أن نجعل غرضاً , إذا رأينا من يتحدث العربية داخل المدرسة نضعه في يده , والذي يوجد معه عند نهاية الدوام تحسم عليه علامات ! وهكذا كان .
وجئ بذلك الغرض ووضع في يد أحد التلاميذ , ليبدأ التنفيذ .

وما أن لمح ش ذلك حتى قال : هاته ...هاته ! وأخذه ودسه في جيبه .
قيل أن كبير المعلمين غضب من هذا التصرف , لكن مثل هذه البيئات لا تسأل عمن غضب لِمَ غضب , ولا تعترف بفضل إنسان ولا مكان ولا زمان . وكثير منهم ينطبق عليهم قوله تعالى : ( إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ....) – سألني ش ذات يوم من أين لك ياعاتق هذه الفصاحة ؟! قلت له : وما يمنعني من ذلك , ونزل القرآن الكريم في بلدي , ومنه اختير خير خلقه ؟!

قضينا دورة طوبلة , بين (( 1/5/1384هـ - 3/ 2/ 1385هـ )), ثم أعلن موعد الاختبار النهائي , فنجح من نجح , وأخفق من أخفق .
ثم قيل : إن أزمة نشبت في الإدارة من أجل عيون (ش) : فالذين يجاملونه لا يريدون أن ينادى بالأسماء , لأنه ليس من الأولين .

اقترح بعض الناس أن يكون النداء بالحروف الأبجدية , فإذا حرف (ش) ليس في الأول, اقترحوا أن ينادي بأقدمية الرتب لأنه أقدم رتبة . 
اعترض كبير المعلمين , فقال : أنادي الذي جاء بالأولية آخر اسم لأنه ملازم أو نفيب ؟ فأين العدل ؟!
وجد المتفاوضون الحل الوسط في فقرتين :
1 ـ أن ترقم الشهادات على ظهورها , فالذي ترتيبه الخامس مثلاً , يوضع على ظهر شهادته رقم (5) , ويكتب في وجه الشهادة , مثلاً إنه حاز النجاح بدرجة جيد جداً ! ولا يذكر كم ترتيبه !

2 - يجلس المتخرجون على كراسي حسب ترتيب شهاداتهم : 1,2,3,...فلاقت هذه الفكرة قبولاً .

ادخلنا البهو المعد , واجلسنا على تلك الكراسي , ووزعت الشهادات علينا جلوساً ! لم يحضر قائد المدرسة , ولا ممثل عن التعليم المدني , ولم تلق خطبة تخرج . أمر لم يجر قط في مثل هذه المناسبات .
دار علينا أحد المعلمين بالشهادات يسلم كل واحد شهادته , ومن نظر هذا المدرس في ظهر الشهادة وفي الكرسي الذي تحتي عرفت ما يعني , فنظرت إلى قفا شهادتي , فإذا مكتوب عليها رقم (5).
حينها سمعت صوت (ش) وهو يقول : كم ترتيبك ياعاتق ؟! فإذا هو خلفي تماماً , فعلمت أن الرجل رغم كل ما أتيح له قد تأخر !
فقلبت له شهادتي وراء ظهري , وكان أمامه ظهرها , والرقم واضح فيها 
قيل لي : إن ترتيبه كان (9) , ورأيت كبير المعلمين يرمقني بنظره من بعيد.
ولا أعتقد إلا أنه قد سُر بذلك . ولكن الحقيقة أنني لم أهتم بمن سُر ومن لم يسر , ومن أمثالنا) : من راقب الناس , مات هما )

فقالت تلك الشخصية : القرزعي شاب مؤهل , والاستفادة منه محققة ! قال قائد المدرسة : كيف يكون مؤهلاً ولا يحوز على القبول ؟ونقول للذي حاز القبول لست مؤهلاً ؟!
قال : الرغبة , ابدال البلادي بالقرزعي !.

قائد المدرسة : لا أستطيع أن أقول لمن حاز النجاح في امتحان القبول أخرج ,ولمن فشل : مرحباً بك طالباً مؤهلاً!.

أنهى الرجل المقابل المحادثة , وسارت الأمور حسب النظام , والأمانة .

ومرت أيام , يقول : فإذا المقابل يعيد الاتصال , فيقول : ماذاتم في الموضوع ؟! 
قال قائد المدرسة : تنفيذ النظام , والعدل . فأعاد الرغبة السابقة , فقلت : بعد قليل اتصل بك وسوف أزف إليك خبراً . قال لي قائد المدرسة : وكنتم في أول امتحان كـُـوِز ! 
وطلبت من كبير المعلمين أن يوافيني بالنتائج سريعاً , وجاءت النتائج ,فإذا أنت قد حصلت على نتيجة مشرفة ! يقول : فاتصلت بالرجل وقرأت عليه كل نتائج الطلبة فسكت وأنهى المحادثة .

يقول قائد المدرسة: مرت فترة ظننت أن الموضوع اقفل ,فإذا الرجل يتصل بي ليقول : ما حدثتك فيه هو رغبة رئيس الأركان !
يقول , قلت : إذاً ليتفضل ويعين غيري يتولى تنفيذ هذه الرغبة . فأسدل الستار على هذه القضية .
ولكن علمت - وأنا على حدود اليمن في قضية السلال – أن العميد عبد الرحمن قد دفع الثمن ,
إذ أحيل رجل وافر الكفاءة على التقاعد , وهو في أوج عطائه , فداءً للعدالة التي أصر على تنفيذها
انتهت تلك الدورة على خير ما كنا نشتهي , ورحّلت أسرتي في إحدى طائرات السلاح , وعدت أنا في سيارتي الجيب ,مروراً بمكة المكرمة , وعندما اقتربت من منزلي في تبوك فوجئت بوجود غرفة من صفيح التنك , فإذا بابها مفتوح على مصراعيه , فإذا بكل شق من الباب مزيّن بأعداد من صور زملائي , لقد لفت نظري هذا المنظر , ووقر في قلبي شئ محير , لم أستطع أن أهضمه بسهولة .

وفي المساء ذهبت إلى السوق , وفي عودتي وجدت ذلك المصور قد صف عدداً من الكراسي , وعليها عدد من الضباط , كان المصور رجلاً فلسطينياً يدعى النكبة . وفي الصباح كنا في نادي الضباط , وكان أحد الضباط استعلمني عن الدورة , فلفت نظره إلى ما رأيت بالأمس .
قال : تقصد فلاناً المصور؟! قلت : إيّاه أعني . فضحك ضحكة أعتقد أن كلا من في النادي سمعها ! ثم قال : يا أخي والله إن فلاناً هذا أصدق وطنية من فلان وفلان ! وعدّد عدداً من رؤساء العرب . فوجدتني أتراجع وأقول - في نفسي – إن بعض الظن إثم .

 

ذات مساء زارني أحد زملائي , فقال : البدر اليوم غادر صنعاء , فنظرت إليه مستوضحاً , فقال : 
انقلب عليه السلال . أسرعنا إلى المذياع نفتحه , وإذا البيانات تذاع من صوت العرب :
البحرية المصرية تدخل مينا الحديد , قواتنا البرية تتأهب للإبحار من موانينا الشرقية , المظلات المصرية نزلت في مطار صنعاء .

( تقول بنو العباس هل فتحت مصر فقل لبني العباس قد قضى الأمر )
نعم , إذاً قضي الأمر , وما بيد الإمام البدر أن يفعل ؟!القائد عبد الله السَّلاَّل , درس في الكلية الحربية في بغداد , وعندما عاد

إلى اليمن ,رقي ترقيات حثيثة , غير أن الإمام أحمد اكتشف أمره فأودعه السجن , وعندما حضرته الوفاة أوصى ابنه محمداً البدر بأن لا يطلقه فيندم ,غير أن الأمير البدر , كان متحرراً وكان صديقاً للسَّلاَّل , فأطلق سراحه وعينه قائداً للجيش .

وعندما كان الإمام في إحدى جلساته الليلية - كعادة العرب – انهالت القنابل بأنواعها على صنعاء , فهُرِّب الإمام مع أحد سراديب أهله الذين كانوا أعدوها لمثل هذا .

أعلن التأهب في الجيش السعودي , وقيل : 
في الجيش العربي , الذي تقدم بسرعة هائلة حتى أشرف على صنعاء , ولكنه انسحب بنفس السرعة حتىدخل عمّان !.بينما وزع جيشنا على جبهات ظل مرابطاً فيها حتى مات عبد الناصر .

صدرت الأوامر للوائنا اللواء العاشر , الذي كونت حوله جبهة دفاع عن منطقة جيزان , واسندت قيادته إلى الزعيم ( عميد ) محمد بن عامر العسيري , وهو من الأكفاء .
طلبت أن أوصل أهلي إلى الطائف , ثم التحق بوحدتي هناك , فكان ذلك .
وفي مطار جيزان استقبلني ضابطان من سرية القيادة وهما : محمد بن عوض , وآخر نسيت اسمه .

قبل الوصول إلى وحدتنا فوجئت بنفس المنظر الذي رأيته عند عودتي من دورة اللغات , نفس الصندقة , ونفس الصور ! نظرت إلى ابن عوض , قلت : هذا وصل إلى هنا ؟! قال : ايوه ! يا أخي لم يصبر على فراق اللواء العاشر ! 
أحسست كأن أذني أصيبت بالصمم , فلم أعد أسمع مايقول الرجل ! يالسذاجة الناس , يصدقون كل ما يسمعون , ولا ينكرون ما ينكرون, وكل من يكشر عن أنيابه صديق , وكل من يدعي الوطنية وطني صادق 
أصبح الصباح وأنهينا التدريب الأول , ثم اتجهت الى مكتب زميلي وصديقي ركن الاستخبارات ( النقيب عبداللطيف الجوفي ).
وهناك لفت نظره إلى مثل هذا , فلم أرى في وجهه قبولاً , وكانت صورته مع الصور , فخرجت من عنده آسفاً.

من حيثيات القضية أن الاستخبارات الاسرائيلية ما أن علمت أن هذا المصور وصل إلى أعماق بلاد العرب , حتى صارت تبحث عن مبرر لوجوده في هذه الديار! فهداها بحثها الشيطاني إلى أن رجلاً من سامطة - احدى مدن مقاطعة جازان – نزل فلسطين وتزوج امرأة هناك , وأن هذا المصور ابنه , وأنه قبل أن يموت سمى لزوجته أسماء اخوته ونحو ذلك .
فأرسلوا اليه شهادة ميلاد ومعلومات تخص الأسرة .

وفي سامطة سأل عن أعمامه المزعومين , فوجد منهم من وجد , فرحبوا به وأقيمت الولائم , ودعي أمير المدينة ! أمير سامطة فلان الكودري , وتعاطف مع أقرباء المصور , وأذكر أن اسمه (عبده) , فأراد الكودري أن يساعدهم على الحصول على الجنسية لابنهم الآيب !.
كنا سامرين خارج الخيام , فإذا بزميلي الذي أشاح بوجهه بالأمس يركض ومعه بعض أفراد البوليس , ليطوق مسكن صديقه المصور ! فأخرج من هناك مسلسلاً يقوده رجل بوليس !

 

في عام 1377هـ كنا في الغور الأردني فأعلنت القوة عن رغبتها في تشغيل عمال خدمة , فتقدم عدد من الأخوة الفلسطينيين , فاشتغلوا في تلك القوة , وظلوا إلى ذلك اليوم , يوم الانكشاف , وفي هذه الأيام التي كان عبده يطالب فيها بالجنسية السعودية سافر أحد أولئك العمال في إجازة , وما أن وطأت قدماه مطار عمان حتى ألقي القبض عليه , ففرط السبحة , ويبدو أن الحكومة السعودية أخبرت بسرعة . وحدث ما حدث , ولم يحقق مع أحد ممن كان صديقاً لكثير منهم .

( ومهما تكن في امريءٍ من خليقة ****** وإن خالها تخفى على الناس تعلم)

واسدل الستار على هذه السوءة التي عاشت بين ظهرانينا عشر سنوات .
وهل نلوم بني صهيون بعدها , إذا قالوا : إن العرب يغلب عليهم التغفيل ؟!
طلبت لمقابلة العميد محمد بن عامر العسيري , قائد منطقة جازان .

وهناك قال لي : قائد الجبهة المقدم أحمد رفع إلينا تقريراً , يقول فيه : إن حالة تموين الجبهة 
تحتاج إلى إصلاح . وإني إخترتك لتكون ركناً لها .

حقيقة ماكان هذا التكليف بالأمر السار , فجبهتنا المواجهة للقوات اليمنية والمصرية , كانت تمتد من جزائر فرسان في البحر الأحمر إلى شفوف سروات اليمن التي تسيل منها أودية : جازان و خُلَب ولية , وغيرها . فهي جبهة واسعة في مواجهة جيش لجب .
ولكن لابد مما ليس منه بد ! وهكذا صار .
نزل أبو العلاء المعري دمشق , فسمعهم يقولون : إن البدو سُرّاق, فوضع قلنسوته جانباً 
فلما قام لم يجدها , فقال:(في الحضر سُرّاق كما في البدو سراق! )

وصلت إلى مقر تموين الجبهة , في محافظة سامطة , فسلمت على زيلي , فإذا هو ينصرف من المكتب ,وبعد انتظار طلبت وكيل المجوعة , وسألته عن زميلي , فقال : نائم .

الوقت في زمن الحرب لا يحتمل الخلافات , فطلبت منه أن يعرض علي ماعنده : عرض 
على الجنود الموجودين , وأراني كل مايقع تحت عهدته , وانصرف يذبح ذبيحة للضيف !
فطلبت مدير المكتب ليعرض علي دفاتر الوارد والمنصرف .

ظهر من تدقيق الدفاتر أن الوارد ضعف المنصرف , فأين العازب ؟!
طلبت زميلي ! قيل ركب سيارة وذهب إلى جازان !
سألت الموظف , قال : أنا أقيد ما يصل من محطة الوقود كوارد , وأقيد ما يصرف للوحدات , ولا علاقة لي بغير ذلك .
طلبت الوكيل , قال : نحن العسكر مهمتنا تفريغ الوايتات ( صهاريج الوقود)، ثم الحراسة وصرف مانؤمر بصرفه !
في هذه الأثناء سمعنا زمجرة شاحنة مقبلة , فسألت الوكيل , قال : هذا وايتنا الأول , إذ لنا كل يوم ثلاثة وايتات , قلت للوكيل : هذا الوايت لا يفرغ . نظر إلي! قلت له : سمعت ؟ قال : نعم .

خرجت من المكتب , فإذا الوكيل يمنع الجنود من التفريغ وقد أمسكوا باللي ( الخرطوم ) 
والسواق يستعجلهم , وقد تجمع عدد من العرفاء في هرج .
أثناء استعراضي الجنود لمحت جندياً اسمه – يحيى الضمدي - توسمت أنه يعتمد عليه , فطلبته فجاء يسعى , فقلت أصعد على ظهر الوايت , فصعد .
قلت افتح الغطاء! قال : مرصص . قلت : اكسر الرصاص . 
صاح الوكيل : لا , عندنا أوامر ما يكسر الرصاص .
ناديت النائب ( وكيل رقيب ) سليمان العنزي , فجاء يسعى !
قلت له : أنت من الآن وكيل تموين الجبهة . أدى التحية , وقال : حاضر !
قلت له : عندكم خيمة حبس ؟! قال : نعم . قلت : أدخل الوكيل هذا فيها , وضع عليه حارس .
أخذ الجميع يتراجعون إلى الوراء , فنظرت إلى يحيى وقلت : اكسر الرصاص !
وما أن فتح الجندي الغطاء حتى ظهرت عليه الدهشة , سألته , قال : الوايت مافيه إلا نصفه !
طلبت من الوكيل الجديد ونائب المجموعة وعريف آخر أن يصعدوا إلى ظهر الوايت ويكتبوا محضراً بما يشاهدون.
وحضر الوايت الثاني والثالث , وكانت صوراً طبق الأصل , واجراءات بعضها كبعض .

اتصلت بقائد الجبهة المقدم أحمد عبد المالك , واطلع على ماجرى , وطلبت أن يتكرم بالحضور .
وحضر المقدم ومعه ضابط البوليس وضابط استخبارات الجبهة .
واطلعوا على المحاضر, وصادقوا عليها بالتوقيع , وأيد قائد الجبهة هذه الإجراءات تأييداً مطلقاً .
في المساء كنت عند ابن عامر , في مجلسه الليلي في العراء – كعادة العرب – وسلمته المحاضر 
شارحاً له كل ماجرى ! قال : ( حسناً فعلت ) .
وعدت إلى مقر عملي , على ستين كيلاً من مقر القيادة , و انتظم العمل وتحسنت طرق تموين الجبهة
أُضِفيَ ستاراً على قضية الجواسيس , و السُّراق ! فلم تشكل محكمة تحقيق , ولم يستدع 
شهود الاثبات للشهادة , ولم يعد يسمع لشئ من هذا حساً , وكان بعض الزملاء يسألني عما تم في مثل هذا , فكان جوابي(علمي علمكم ) .
منذ أن غادرت مكة المكرمة في شهر جمادى الأول سنة 1372هـ , والتحقت بالجيش , ظل حنيني إليها , وشوقي إلى نشقة من ترابها الطاهر , فلما تخرجت من مدرسة اللغات –كما تقدم – طلبت 
نقلي |إلى مكة , إذ كانت لنا وحدة عسكرية في القشلة العثمانية بجرول .

لكن حركة السلال عاجلتنا فلم ألح على طلبي , ونسيته أو تناسيته ،وفي يوم 14/7/1387هـ , أي بعد نحو سبعة أشهر من اكتشاف الاختلاس .
حمدت الله وغادرت الجبهة التي أضنيت فيها , ووصلت إلى مكة , وكان أحد الأقرباء قد تصرف في منزلي . وباشرت عملي الجديد , بجوار تلك الحسناء السمراء التي كانت مني في موقع سويداء القلب .

كانت الوحدة النظامية في تلك القشلة هي سرية جنود , وما سواها ملاحق كفصيل بوليس , ونقطة تموين , ومكتب محاسبة , ومثل ذلك .
كان العمل في هذه القشلة يشبه التسيب , وغالب القوم متجهون للعبادة .
غفر الله لنا ولهم .

كان زملائي يسمونني ( أبو الدورات ؟!) فما كانت تعلن دورة حتى التحق بها مهما كانت صغيرة وفائدتها قليلة ! وفي شهر ربيع الأول 1389هـ
عقدت دورة عسكرية متقدمة مشتركة , في الطائف مدتها سنة , فترشحت لها , ومرت السنة وتخرجنا !
عندما يجد الإنسان نفسه على مقعد الدراسة , يخيل إليك أنه فقد رزانته , وخف تعقّله.

وهذا ماحدث معنا في هذه الدورة , فهوءلاء الضباط كلهم قادة في وحداتهم ,
ولكنهم ما أن اجتمعوا على مقاعد الدراسة , حتى حدث منهم اللغط والمزاح, 
والتعليقات غير المناسبة , رغم لفت المعلم نظرهم إلى ذلك .
ومن هنا حدث شبه جفاء بين هؤلاء الدارسين وبين معلميهم .

الواقع يقول غير ذلك , فذات مرة جاء محاضر يحاضر عن السيارة البرمائية ويبدوا أن 
أحد الطلبة تشوق لرؤية هذا السلاح الجديد , فرفع يده ليسأل المحاضر , قال : أيمكن أن نرى هذه السيارة ؟ المحاضر : ما رأيتها ؟ الطالب : لا. المحاضر : أنت متخلف عقلياً !ضحكت الدورة كلها ! سبحان الله ! طال يسأل سؤلاً استعلامياً للمعرفة , فيكون متخلفاً عقلياً ؟!تطورت هذه المماحكات , حتى جعلت بعض محبي الفوضى والذي كان هو الأولى بتلك التسمية ,يمر من أمام قائد المدرسة : المقدم عبدالعزيز جنبي , فيضع يديه على جنبه ويقول : آه ياجنبي !الله يلعنك يا جنبي ! والقائد يسمع ويرى !

كبير المعلمين بمدرسة سلاح المشاة , كان رجلاً تشرب العسكرية ,حتى لا تظن أنه يعرف أو يعشق غيرها , فلا سمرات ولا شلل , وتجده قبلك – صباحاً – في الميدان مهما بكرت , كان اسمه ( فلان خورشيد ) .
ولكنه هذا اليوم لم ير في الميدان كعادته ! وسرت بين ضباط الدورة همهمة ....
(قبضوا عليه البارحة ) ! كان يوم خميس , وللخميس في الجيش مراسم خاصة .

أنهينا مراسم الخميس في مدرسة سلاح المشاة , ويممت بعد الظهر مكة , وبمروري
من أمام القشلة اعترضني أحد جنودنا , واستوقفني , ليقول لي : مناور جمع الضباط البارحة , 
ثم حضر ضباط , ومعهم جنود بوليس , فقبضوا على : ( فلان مساوى , وفلان الذي جاءنا من الطائف . وفلان !).
تجاوزته إلى بيتي في ساحة إسلام , ونسيت كل هذا .

انقضت السنة وانتهت الدراسة , وتخرجنا في شهر محرم 1390هـ .
ولكن فيما يبدو أن الجنبي لم ينسى تلك السفاهة ( أهـ ياجنبي ) , فأراد أن يعاقب كل الدورة ,
فلم يقم حفلاً للتخرج ولم يدع أحداً من كبار البلد وموظفي الدولة كما جرت العادة .
بل اتخذ كرسياً في صالة المحاضرات فجلس عليه , ونودي على الضباط يناولهم شهاداتهم وهو جالس! . 

أما أنا شخصياً فلم أقم وزناً لهذه المراسم , وكفاني اني نجحت بدرجة ممتاز .
هذه منطقة عسكرية تسمى (منطقة مكة ) وقدمرت عليها العهود المتتابعة , من العهد العثماني , فالمملكة
الحجازية , فالعهد السعودي , وبمرور هذه الحقب صارت ليس لها من الصفة العسكرية – بعناها الصحيح – إلاّ الإسم فتسيب العمل, وربما فقد بعض منسوبيها ضمائرهم , فأهملوا واجباتهم , وكان همهم مصالحهم الخاصة , فكانت تجري فيها أشياء لا يكاد يصدق الإنسان السوي أنها تحدث , وفي بلد هو قلب الإسلام ومهوى أفئدة المؤمنين في سائر بقاع الأرض .

عينت ذات مرة رئيساً لهيئة المشتريات , فأقامت المنطقة حفلاً لقائد جديد جاء يتسلمها , فاستغل 
بعض أعضاء هذه الهيئة غيابي فذهب واشترى بعض لوازم هذا الحفل , من دون إذن مني , فلما 
عرضت علي الفاتورة فإذا فيها كيلو الهيل بمبلغ أذكر(1) أنه كان سبعين ريالاً , , والبن بعشرين ريالاً !
فأرسلت من يرى الأسعار , فقال : الهيل بخمسة وعشرين ريالاً , والبن بخمسة ريالات !.
فرفضت توقيع الفاتورة , فاشتكى المشتري على القائد , فلما فاتحني القائد في ذلك , قلت : أولاً – الرجل افتأت علي 
ولم آذن له , وثانياً – ظهرمن الكشف على الأسعار أن فيها غشاً وسرقة مكشوفة !.
قال القائد : وقعها , وقعها !, قلت : أقترح أن يعيّن المشتري في مكاني فيوقعها.
وهكذا صار !
كنت رئيس لجنة امتحانات الترقية , فإذا ركن الادارة يطلبني , ويقول : القائد سافر بسائقه معه , ويطلب
منكم عمل اختبار له وترقيته !.
نظرت في الرجل ! قال : ماهي مشكلة , أعطوا نسخة من أسئلة الامتحانات أحد العرفاء , ويجاوب باسم السائق !. أرأيت أوقح من هذا الأمر ؟! وهل رأيت ضميراً بهذا العفن ؟! قمت من دون أية تحية , ولا كلمة ! وفي اليوم التالي عين خلفاً لي ونفذ الأمر !وعلّق السائق الغائب شريطتين قبل عودته!
إن الأعمال التي تجري بما لايرضي الله , ولا يحقق لعباده العدالة التي أنزلها من السماء تظل تنخر
فيما حولها كما ينخر السوس في الحب , وكم أباد الظلم والجور ممالك زاهية زاهرة , سنة الله في خلقه .

وصدر الأمر بتفكيك هذه المنطقة , وتفرق منسوبوها شذر مذر ! ورغم أنها قلعة حصينة قد تصمد مئات السنين , فقد أدركها نحس ماكان يعمل بها حتىاستفاق الناس ذات صباح , فإذا الهدّامات تقتلع أساساتها , حتى جعلتها قاعاً صفصفاً ! مما حدى برئيس دولة تركية إلى ضمها إلى دعواه ضدنا بتدمير الأثار العثمانية .

جاء مكاني عند توزيع هذه التركة في منطقة تبوك , فغادرت سيدة مدن الدنيا آسفاً حزيناً , ولكني 
أزعم إنني خرجت منها نظيف اليد والضمير , ولا أزكي نفسي , ولكن أسأل الله أن يزكيها .
وزع جميع أفراد هذه المنطقة , وعُمّدت نقلي إلى تبوك .

حشرت أسرتي كلها في جيب , أقوده أنا نفسي وحولت هذه السفرة إلى رحلة علمية , ألفت فيها
كتابي(رحلات في بلاد العرب ), الذي أضفت إليه رحلات وبحوث في الأنساب والجغرافيا .
وصلت إلى تلك المنطقة فوجدتني قد عُينت ركناً لعمليات الفوج الأول .

على أن قائد الفوج لم يلبث أن أحيل على التقاعد , فتسلمت قيادة الفوج عضو المجلس العسكري :
كان المجلس العسكري بتبوك يتكون من رئيس وأربعة أعضاء , ولأنه جهة تأديب كثيراً ما تحدث تجاوزات حقوقية في مثل هذه المجالس .

نقلت عضواً في هذا المجلس , وباشرت عملي , وعلمت من بعض الأعضاءأن كثيراً من الأحكام يراعوا فيها خاطر قائد المنطقة ! فلما سألت زميلي: وأين ضمائرالقضاة ) الأعضاء ( ؟! قال : قد تعطى إجازة ! قلت : لو رفضبعض الضمائر – اليقظة – هذه الإجازة ؟! قال : ينقل !ما لبثنا أن جئ بأوراق فيها قرار يدين ضابط صف , فسارع الأعضاء إلى التوقيع !ولما وصلت إلي أخذت في قراءتها , فنبهني الذي جاء بالقرار بأن القائد يطلب الإسراع بالتوقيع , فقمت بها إلى القائد وسألته ألا يحق لي أن أدرسها ؟ قال : هذه درست قبلك ! قلت : إذاً ما فائدة أن أوقع على شئ أنهي قبلي ؟! قال : قائد المنطقة يريدها قبل انتهاء الدوام .
قلت : لا يمكنني أن أوقع قراراً قد يقرر مصير إنسان دون أن أعلم حيثياته . فانتزع الأوراق
مني انتزاعاً , وذهب بها إلى مرجعه .

استدعيت على عجل إلى قائد المنطقة , وسمعت أحد الزملاء خلفي , يقول : ( هيا خيطها )!
قائد المنطقة قال : ما منعك من التوقيع ؟! قلت : لم أطلع على الموضوع . قال : أنت أشرف
من هؤلاء الأعضاء الذين وقعوه ؟! قلت : لو قلت : نعم , كانت تزكية , ولو قلت : لا , كان في الأمر ما فيه .
قال : خذ الأوراق وقدم لي دراسة عنها .

كانت خلاصة الدراسة : (إن في الموضوع تحاملاً , وإصراراً مسبقاً بحكم رادع لا مبرر له(.
أعيدت محاكمة الشخص باشتراكي في ذلك , وصدرت براءته , ونقض
القرار الأول , مع جفاء ظاهر , ونقل المذكور !

عرفت هذا الضابط سنة 1377هـ أحد أفراد قواتنا في الأردن , وكانت مراتبنا 
متقاربة , كان ملازماً يشاع عنه تعاطي الموجود آن ذلك من الممنوعات ! والآن سنة 1395هـ , جاء منقولاً إلينا برتبة لواء , ولم يصل أحد من زملائه رتبة تقرب من رتبته , وجاءت ورائه مذكرة تقول : ( راقبوه فإنه يشتبه فيه أنه يتعاطى المخدرات )!

سألت هذا الضابط : كيف حصلت على هذه الرتبة في هذه المدة ؟! قال : حصلت على استثناءات !
أرأيت ؟! ضابط يقفز خلال ثمان عشرة سنة من ملازم إلى رتبة لواء والجميع يعرفون سيرته , ويحصل على استثناءات , ولم يتسلم قيادة قط ! ثم يقال : - بعد هذا العمر – راقبوه !لا ترى في هذه السيرة وهذه المعاملة ما يندى له الجبين ؟!ما نتيجة المراقبة ؟ و ما هو الجزاء الذي سيوقع على مثل هذا الضابط صاحب الاستثناءات , المدمن المخدرات ؟!صدر القرار في 1/6/1396هـ=3/1/1976م, بنقلي إلى سلاح الحدود .

فكان لابد من السفر إلى الرياض , فقررت أن أجعلها رحلة علمية , فكانت الرحلة النجدية .( راجعها إنشئت(.
وصلت هناك فوجدت أن (ش)(1) الذي مر معك في دورة اللغات قد أصبح برتبة فريق ,
وأنه هو قائد سلاح الحدود .
سلمت عليه فتجاهل وجودي , فاتخذت مقعداً , وسألت الفريق : كأنك لم تعرفني ! قال: أعتقد أننا اشتغلنا معاً.
ذهبت إلى مساعده , فوجدته يدخن غليون أمريكي يحكه بمسمار ! لم أطق تلك الرائحة فذهبت
إلى ركن الإدارة , فعلمت أنني قد عينت قائداً لقطاع طُريف , فعرفت أنه الانتقام .
عدت إلى الفريق , فقلت : إن أولادي منهم من دخل الجامعة , ومنهم من هو في
السنة الأولى ابتدائي , وطُريف قرية ليس فيها من هذا شئ , إضافة إلى أنها في آخر
المملكة على الحدود الشرقية للأردن .

قال : الأمر صدر ! ذهبت إلى مساعده, قال : الأمر بيد الفريق .
عدت إلى الفريق , فقلت : إذاً أقدم طلباً بإحالتي على التقاعد . قال : لابأس .
بكرت اليوم التالي بعريضة فيها طلبي احالتي على التقاعد , فتناولها الفريق , فقلت :
 (خلاص أذهب؟) قال : إي نعم .
فتوجهت إلى مكة المكرمة . (2) وفي مكة أجريت بعض الإجراءات على أنني محال على التقاعد .
يممت تبوك لإحضار أهلي وبدء حياة غير الحياة العسكرية , ولكنني فوجئت بمناحة في بيتي !
جاءت برقية من سلاح الحدود , تقول : كلفوا المذكور بالحضور , فقال أهلي : 
ذهب إلى هناك , قال المحضر: لم يصل . فظنوا أن أمراً حدث لي في الطريق !
عدت إلى الرياض فإذا أنا معين قائداً لقطاع رابغ .

في : 1/3/ 1397ـ= 19/2/ 1977 م . صدرأمر بتعييني رئيساً للمجلس العسكري
بسلاح الحدود بجدة. وهو مجلس تأديبي , له صلاحيات نقض أوامر قادة القطاعات إذا تعارضت مع النظام.
وكنت أعرف بعض الخلفيات عن هذا العمل , فأضمرت أن لا أتوانى عن مساعدة مظلوم مهما كانت العقبات فكم من المساكين فقدوا وظائفهم بسبب أهواء المتسلطين في هذه المجالس.

1) ش هذا هو الفريق فيما بعد : عبدالله بن الشيخ , من ذرية الشيخ محمد بن عبدالوهاب .

2) التفاصيل في (حصاد الأيام ) وفي الرحلة النجدية . 

في 10/3/1397هـ , باشرت عملي في جدة رئيساً للمجلس العسكري في سلاح الحدود .
طلبت من وكيل المكتب تنظيماً أفضل للأوراق وأوليّات العمل . فسار العمل كما نريد .
ذات صباح قدم إلي وكيل المكتب أوراقاً تتعلق بالجندي عبد الله الجحدلي من مركز الشُّــعَـيبة , جنوب جدة .
فإذا قائده يطلب طرده من الخدمة لتمرده وعدم الفائدة منه .
فإذا بالأوراق تحقيق لم يرضني , فوقعت من القائد طلباً يقول : أرسلوا الجندي إلى المجلس العسكري كان من جنود سلاح الحدود بمركز الشُّعيبة , وكان أهله حلولاً شرق طفيل ,وهذه ديار الجحادلة من كنانة , وذات ليلة وصل إليه مندوب من أهله , يقول :زوجتك ( يا تلحقها أو ما تلحقها ( فهي في ولادة متعسرة .
طلب من رئيسه إذناً أن يوصل زوجته إلى مستشفى الولادة في مكة , فرفض رئيسه , مما حدا به إلى الذهاب من دون إذن .

أخذ زوجته في سيارة صحراوية على طريق غير معبدة , وقبيل الفجر
وصل بها إلى مستشفى الولادة بجرول . قال له الطبيب : لو تأخرت ساعة لفقدت نفسها وابنها !.
طلبت من الجندي أن يذهب ليأتي من المستشفى بما يثبت قوله .
وجاء التقرير يقول : لو تأخرت هذه المرأة لفقدت نفسها وابنها .
بعد دراسة جميع الملابسات , وسلبيات ذلك الرئيس , قرر المجلس العسكري

  1 لوم قائد الجندي على تصرفه الذي كاد يزهق نفسين , بطريقة لا إنسانية .

2 - الاكتفاء بالأيام التي سجن فيها الجندي , وتخلية سبيله

3 -نقله إلى وحدة قيادة سلاح الحدود بجدة .

أحسن الله لنا ولكم خواتيم أعمالنا , وهنا نأتي إلى نهاية ذكريات ما يزيد عن أربعين سنة ,
ونتوقف عن المرحلة التي بعدها , والمسماة الحياة الفكرية , لأنها قد تمس أعزاء علينا 
لا زالوا أحياء أو أبناءهم .

وفي يوم 30 / 12 / 1397هـ , غادرت سلاح الحدود محالاً على التقاعد
بناء على رغبتي , وعمري كان (45) سنة , فتفرغت للعمل الفكري تفرغاً
أزعم أنه أثمر ثمرات طيبة , جعلها الله خالصة لوجهه الكريم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين .

وبعد وصولنا آخر المطاف فبين عشية وضحاها فقدنا الوالد الكريم العلامة الدكتور عاتق بن غيث البلادي مات البلادي وما ماتت أعماله مات البلادي وما ماتت سيرته رغم تقدير الله عز وجل للأعمار بالشهور والأيام والليالي لكن فُضل بـ ( وتركنا عليه في الآخرين ) .

نسأل الله عز وجل أن يتغمده بوافر رحمته ويسكنه فسيح جناته  اللهم 

 


تعليقات الزوار
أضف تعليقك ، جميع التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.
  أول العبور!
"شددت وصلك إلى سوق العرفان، ليقتني ما يلذ ذوقك من درر حسان، فإذا اغبرت لولوة إيمانك بوسواس المفتون فقد خسرت تجارتك ولو أصبحت تتهكم على آراء أفلاطون، وكشف لك من الكيمياء والزراعة عن كنوز قارون "
  عزة النفس
" فعزة النفس تمتاز في الأذهان عن الكبرياء امتياز الصبح من الدجى , إذ العزة ارتفاع النفس عن مواضع المهانة , والكبرياء استنكاف النفس أن تأتي صالحاً , بتخيل أن ذلك العمل لا يليق بمنزلتها , أو تعظمها عن أن تجامل ذا نفس زاكية بزعم أنه غير كفء لها " .
  ما المروءة؟!
قال زياد لبعض الدهاقين: ما المروءة فيكم؟ قال:"اجتناب الرِّيب فإنه لا ينبل مريب، وإصلاح الرجل ماله فإنه من مروءته، وقيامه بحوائجه وحوائج أهله فإنه لا ينبل من احتاج إلى أهله، ولا من احتاج أهله إلى غيره" أدب الدنيا والدين.
  لا تقنطوا
الحل لمن بلغ القاع أن يعاود الصعود بقوة ! ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ).

  اسرائيل تقدم تنازلا تكتيكيا لتفادي ضغوط لانهاء الحصار على غزة
من غير المرجح أن تستجيب اسرائيل لدعوات تطالبها بانهاء الحصار المفروض على قطاع غزة بعد استيلائها الدامي على سفينة مساعدات تركية والذي أدى الى تفجر موجة من الغضب الدولي والاستياء الامريكي مما يدفعها للسعي الى اتخاذ خطوات تصالحية.
  مقتل سياسي من كتلة العراقية على يد مسلحين
قالت كتلة العراقية التي فازت بالانتخابات البرلمانية في العراق التي جرت في مارس اذار ان أحد أعضائها اغتيل بالرصاص يوم السبت وهو ثاني سياسي من الكتلة يقتل منذ الانتخابات...
  ايران تتوغل مجددا في اقليم كردستان العراق
اعلن مصدر عسكري عراقي كردي السبت ان قوة ايرانية توغلت بعمق كيلومترين في اقليم كردستان،للمرة الثانية في غضون عدة ايام...
  إسرائيل تفتش سفينة "راشيل كوري" وترحل ناشطيها
أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي خلو سفينة "راشيل كوري" الأيرلندية لكسر حصار غزة والتي سيطرت عليها البحرية الإسرائيلية منذ ساعات وسحبتها إلى ميناء أشدود من أي أسلحة...

  ما رأيك فى تصميم الموقع الجديد ؟
ممتاز
جيد جدا
جيد
مقبول